أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

قراءة في واقع الشباب محاولة لفهم ما يجري.. إشكاليّات وحلول



علاء البغدادي


لاشكَّ أنَّ جميعنا شاهد الأطفال وهم في بداية مراحلهم العُمريَّة، كيف يَحبْون ويحاولون السير، ونلاحظ عدد المرَّات التي يقعون فيها ويسقطون على الأرض، إلاّ أنَّنا نلاحظ بأنَّهم لا يستسلمون حتى يتمكَّنوا من السير على أقدامهم، على الرغم من أنَّهم قد يتألّمون بسبب بعض الرضوض أو الكسور التي قد يُصابون بها وهم يحاولون السير.
هذا بالضبط هو حالنا نحن بنو البشر، ولو لم نكن كذلك، لما استمرّت حياتنا منذ نشأتنا الأولى، فخصيصة الإصرار على مواصلة الدرب من أجل تحقيق النجاح، هي من الخصائص التي جُبِلَ عليها الإنسان، بل وهي من أهمِّ الصفات التي وضعت خطَّاً مائزاً بينه وبين بقيَّة الكائنات الحيَّة، لأنَّه دائماً ما يتوق للنجاح ولا يخضع ولا يستسلم لليأس، بل ودائماً ما يعاود الكرَّة تلو الأخرى من أجل الوصول إلى عَتَبات النجاح. ومن أبسط الدلائل على ذلك، هو ما وصل إليه الإنسان في حياته المعاصرة وهذا السيل الجارف والمتسارع من الإنجازات وعلى مختلف الأصعدة، والتي كان مجرَّد التفكير في تحقيقها ضربٌ من أضراب الخيال والفنطازيا، من قبيل الوصول إلى سطح القمر والتطوِّر الملحوظ في المجال التقنيّ والصَّناعيّ وثورة المعلوماتيَّة الكبيرة. ومن هنا دائماً ما كان الإنسان ساعياً لتحويل الفشل إلى تجارب نافعة ونجاحات أكيدة، مهمَّا كلَّفه ذلك، لأنَّه مجبولٍ على الإصرار والمداومة والإستمراريَّة من أجل تحقيق النجاح.
ومن هنا يصبح القول بديهيّاً، من أنَّ حياة الإنسان تتمحوَّر بين الفشل والنجاح وفي مختلف تفصيلاتها، سواء العلميَّة أو المهنيَّة أو الإجتماعيَّة أو السياسيَّة، ومن غير الصحيح أن يَتَملَّك الإنسان الشعور باليأس والإحباط والإستكانة، بل لابدَّ عليه أن يحوِّل التجارب الفاشلة في حياته إلى دروساً ينتفع منها، ويعمل على تشخيص الأخطاء والوقوف عندها مليّاً، بغية عدم تكرارها لاحقاً، وبالتالي يكون الفشل الذي مرَّ به، هو باب من الأبواب الموصلة إلى النجاح.
 لقد سجَّل لنا التاريخ الكثير من الشواهد التي تحدَّثت عن تجارب بعض الشخصيّات المهمَّة والتي أحدثت إنعطافاً ملحوظاً في المسيرة الزمنيَّة من خلال إنجازاتهم الكبيرة، إلاّ أنَّهم عانوا في بدايات حياتهم الكثير بسبب التجارب الفاشلة، أي أنَّ النجاح والفشل والتفوِّق وتحقيق النتائج الطيِّبة في الحياة، ليست من الأمور القَهريَّة على الإنسان، بل هي خاضعة لإرادة الإنسان نفسه وقابليّاته على المطاولة وعدم الإستسلام لرياح الفشل في التجارب الحياتيَّة الأولى، لأنَّ تحقيق الأهداف يرتبط بآليَّة تعامل الإنسان مع الفشل وقدرته على الصمود في وجه اليأس والقنوط والسلبيَّة، التي تنتهي به إلى العجزِ والخذلان، ومن أمثلة تلك التجارب الإنسانيَّة المهمَّة، تجربة عالم الفيزياء الشهير "البرت آنشتاين"، الذي فشل فشلاً ذريعاً في بداية دراسته، إلاّ أنَّ إصراره على تحقيق ذاته ومواصلة الحياة بإرادة صُلبة تنشد النجاح، مكَّنته ليكون من أشهر رجالات العلم والمعرفة، وكذا الحال مع الكثيرين غيره، أمثال الكاتب المصريّ المعروف "عبّاس محمود العقّاد".
ومن هذا الإستهلال الموجز، ولمَّا كانت شريحة الشباب هي الشريحة الأهم التي يتوقَّف عليها تقدَّم الأمم ورُقيِّها، فلابدَّ أن يكون الإهتمام أكثر بهذه الشريحة، والعمل على تحقيق كلِّ ما من شأنه أن يُسهم ويساعد على النهوض بالشَّباب، والأخذ بيدهم من خلال تهيئة الأجواء المناسبة التي تساعدهم على التعاطي السليم والحذر في مواجهة الفشل ومضاعفاته، من خلال تحفيزهم على إستنقاذ القدرات الكبيرة والهائلة المكنونة فيهم، حتى تكون التجارب الفاشلة من الدروس المهمَّة الماثلة للنجاح، وهم بلا أدنى شكّ قادرون على ذلك، من خلال الطاقات التي أكتنزها الله سبحانه وتعالى فيهم، وكلّ ما يحتاجونه هو التركيز على كيفيَّة إستثمار تلك الطاقات بشكل صحيح.
إنَّ إبتعاد الشَّباب عن الإمساك بمصادر العلم والمعرفة والإستزادة منها، واحدٌ من أهمِّ الأمراض التي تفتك بالشعوب وتتسبَّب في نكوصها وتمنعها من التقدُّم والمضي قُدماً باتجاه المستقبل المشرق والبناء السليم للحياة، والتنعُّم بالسعادة الحقيقيَّة التي أرادها الله عزَّ وجل للإنسان من خلال إستخلافه على الأرض.
وقد يكون الشَّباب معذوراً بمعنى من المعاني لعدم تسلُّحه الثقافيّ أبّان سلطة البعث المقيت، حيث الممارسات القمعيَّة التي تمارسها أجهزة الأمن الصَّداميَّة تحول بين الشاب وبين الحصول على مصادر المعرفة، بالإضافة إلى قلَّة المصادر والآليّات التي يُمكن من خلالها الحصول على ذلك، حتى أنَّنا كُنَّا نقوم بكتابة الكتب التي نودُّ قراءتها من شخصٍ لآخر. أمَّا اليوم، فلا أظنّ بأنَّ ثمَّة أعذار يُمكن للشَّاب أن يسوقها وهو يُبرِّر عدم إهتمامه بتطوير نفسه ثقافيّاً ومعرفيّاً، لأنَّ كلِّ الوسائل التي تساعده على ذلك متاحة وبيسرٍ كبير، من خلال الفضائيّات والمساجد والإنتشار الكبير للكتاب المطبوع، فضلاً عن مصادر الثقافة الإلكترونيَّة من قبيل الأقراص المدمجة التي تتضمَّن من مختلف أنواع الثقافة والعلوم، وكذلك برامج الهواتف النقّالة، وأيضاً شبكة المعلومات العالميَّة (الأنترنيت)، وكلّ هذه الوسائل متاحة للجميع تقريباً دونماً إستثناء، فما علينا إلاّ الإنتفاع منها عن طريق الاستخدام الصحيح والناجح.
الشَّباب هم الركيزة الأهم والأقوى في بناء المجتمعات، وهم اللبنة الأساس في هيكليَّة الإعمار والبناء في مختلف مجالات الحياة، لكن هناك جملة من الأمور أو الإشتراطات التي يتوقَّف عليها إستثمار الطاقة الموجودة في كلِّ شاب، وسأحاول المرور عليها سريعاً.
أوَّلاً: تحديد الهدف والسعي لتحقيقه
ثانياً: وهنا يتوجَّب على كلِّ شاب أن يُحدِّد هدفه في الحياة، ويسعى على برمجة الوقت والعمل من أجل تحقيق ذلك الهدف، ولاشكَّ أنَّ الأهداف تختلف من شخصٍ لآخر، تبعاً لجملة من الظروف ولا ضير من ذلك، لكن الأهمّ أن يكون هناك هدف واضح ومشروع ينبغي تحقيقه.
ثالثاً: العمل على معرفة الطريق الموصِل للهدف
بعد تحديد الهدف، ينبغي العمل على التعرُّف على الطريق الموصل لذلك الهدف، لأنَّه مقدَّمة ضروريَّة لتحقيق النجاح، ومن غيره فسيكون هناك إهداراً للوقت والجهد، وهنا لابدَّ من إستثمار الفرص في الأوقات المناسبة، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السَّلام): (إنتهزوا محاسن الفرص، فإنَّها تمرُّ كما يمرُّ السَّحاب).
رابعاً: التطلُّع للسعادة والنجاح
وهنا ينبغي الإبتعاد عن اليأس وعدم الإستسلام له، لأنَّه سيصيب الحياة بالشلل التام والعجز المطلق، ولابدَّ من النظر للحياة بعين مشرقة ومتفائلة، تجعل من المصائب والمحن، مناسبة للنهوض والعطاء والتقدُّم.
وخير ما أختتم به كلماتي، هو ما قاله أمير المؤمنين الإمام عليّ أبن أبي طالب (عليه السَّلام) وهو يوصي ولده الحسن، حيث قال: (يا بنيّ  :إجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبُّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلِم كما لا تحب أن تُظلَم، وأحسِن كما تحبُّ أن يُحسَن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم، وإن قلَّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك).
ولعل الإنسان يعجز أمام عظمة هذه الكلمات العلويَّة الرائعة، وهي رسالة موجَّهة لجميع بني البشر، لأنَّها تأتي في سياق التأكيد على إنسانيَّة الرسالة الإسلاميَّة وعالميَّتها، التي تستهدف صلاح الإنسانيَّة وإصلاحها وتحقيق المستقبل السعيد لها قبل كلّ شيء، عن طريق النهوض بشخصيَّة الفرد الواحد، والشاب الواحد، ولعل المعطى التأريخيّ لكلمات أمير المؤمنين يوكِّد بأنَّها كانت وصية للإمام الحسن (عليهما السَّلام) عندما كان في ريعان شبابه، وهذا ما يُثبت إهتمام أمير المؤمنين الكبير بشريحة الشَّباب بهذه الطريقة الرائعة، ومن خلال هذه النظرة الإستشرافيَّة المستقبليَّة، حتى جعلت الغرب بكلِّ جبروته وتمرُّده يقف عند عتبات عليّ أبن أبي طالب وينهل من نمير عطائه الدفّاق، بينما نحن نتقاتل ونتخاصم ونتشاتم من أجل (ميسي ورونالدو)، وهنا يقول العالم الأمريكيّ (جيمس بيندر) وهو مدير معهد العلاقات الإنسانيَّة في نيويورك، يقول: إنَّ من أهمِّ القواعد الإنسانيَّة التي إنتفعنا منها في سلوكنا الحياتيّ، هو ما قاله الحكيم الخالد علي بن أبي طالب (أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك).

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: قراءة في واقع الشباب محاولة لفهم ما يجري.. إشكاليّات وحلول Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.