أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

 قصص قصيرة - يوسف زيدان



افتضاح
في ساحة الإفصاح سألتُ مجذوباً كان يضحك قليلاً ثم يبكي كثيراً، قلتُ: هل استبشرتَ بالعام الجديد؟ فصار شرودُه ذهولاً، وحوقلَ، وحملقَ في اللانهائي، ثم أخذته نوبةٌ كتلك التي تأخذ المصروعين. ولما استفاقَ واستعادَ عقله المخبول، أجابني متهدجَ الأنفاس: كدتُ، لكنني انتبهتُ لحظة أدركتُ أننا في بداية العام 1954.
ففهمتُ من إجماله التفصيلَ، ولم أسأله بعدها عن أيّ شيء، قط.
**
خُبثٌ خفيّ
من كوةٍ في جدار البيت القديم، حيث كنا نتسامر بذكر أخبار القطب الجنوبي، المتجمّد. دخل علينا عصفوران وراحا يرفَّانِ في سماء الحجرة بأجنحة الوجل، فقام رجلٌ أخرقُ ليطردهما بمكنسة العرجون القديم، فلم ينطردا. قال أوسطُنا: أطلقوا عليهما النار لتستريحوا، فإنهما ما دخلا علينا إلا لغرضٍ خفيّ خبيث.
أسقطناهما صريعين، بطلقةٍ واحدة، واسترحنا. وبعد حينٍ نظرنا إلى أوسطنا متسائلين، لعلّه يكشف لنا السرَّ ويخبرنا بالغرض الخبيث الذي أراده العصفورانِ القتيلانِ، ونجونا منه. لكنه لم يُجِبْ، وإنما ظلَّ يتلفَّت إلى أنحاء السقف ثم زوايا الحيطان مُحتاطاً مما لا ندركه، وأطالَ الصمتَ حتى استطال ظلُّ القلقِ على الجدران من حولنا، وغلبنا النعاس.. لما صحونا وقد فاتنا ميقات الصلاة، صاح أحدنا بصوتٍ كالصراخ المختلط بالطحالب، قائلاً: يا قوم، الأشجارُ التى كانت العصافير تعشّش عليها قُبالة البيت وحوله، كلها اجتُثّتْ بالأمس من جذورها، فاختفتِ العصافيرُ من بلدتنا.
**
شغف
نظر المسافرُ خلفه ليلقى نظرةَ وداعٍ أخيرةٍ على قريته الكاذبِ أهلُها، قبل افتراقه النهائي بلا أيّة نيةٍ في الرجوع. كان الهواءُ الساخنُ المغبّرُ يُصعّب عليه سلوك الطريق، لكنه أصرَّ وواصل المسير حتى ابتعد، كأنه شاةٌ تهرب من ضباعٍ أهاجها الجوعُ.. بعد نهارات المشي وليلات السريان، وصل إلى أول الطريق المؤدى للمدينة التي يقصدها، بعدما استدام عنده حلمُ العيش فيها كإنسان، وزادت ثقته في أنه سيجد هناك الحبَّ والصدقّ متضافرينِ في محبوبٍ واحد.
لما أجهده المسيرُ جلس ليستريح، فوجد شخصاً قد أجهده المسيرُ فجلس ليستريح. بعد تردّدٍ بدَّده الجوارُ، وبعدما ربطت بينهما بعضُ النظرات العميقة. سأل المسافرُ جاره: من أين أنت، وما مقصدك؟ فأجابه: أنا من المدينة، وإلى القرية أسافرُ بعدما استدام عندي حلمُ العيش فيها كإنسان، وزادت ثقتي في أنني سأجد هناك الحبَّ والصدقَ متضافرينِ في محبوبٍ واحد.
**
وَهْم
الشابُّ الذي خرج من أرضه وارتحل طويلاً ثم سكن بهذه الدار الخَربة، شَابَ، ولم يجد بعد ما كان يريد.. أيامَ راهق البلوغ، كان يحلم بحبيبةٍ مُخلصةٍ يُنجبُ منها أطفالاً، فخرج ليبحث عن حلمه في أنحاء المدينة وتسكّع بالعَرَصَات حتى خطفته امرأةٌ بدينةٌ تبلغ من العمر الثمانين، فتزوّجها مُرغماً. في ليلة الزفاف عرف عنها أنها عاقر، وفى الصباح التالي للعُرس أخبره بالحقيقة طبيبٌ تحت التدريب، كان أستاذُه الفاجرُ هو الذي أجرى للعجوز التي تزوّجته عنوةً، تلك الجراحة التي حوّلتها من رجلٍ إلى كائنٍ يشبه البشر، ليس هو برجلٍ ولا امرأة. فلمّا تحقّق الشابُّ من صدق ما بَلَغَه، أخذه الذهولُ ساعةً ثم استفاق، فتسلّل مهاجراً ليهرب من امرأته، ولكنه نسى في غمرة اضطرابه أن يُطلّقها.
رحل الشابُّ من بلاد الذهب الأبيض إلى بلاد الذهب الأسود، وأقام هناك حيناً وهو يحمل على ظهره قربة ماءٍ، كالسقّائين. وظل يدور على النواحي حتى التقى ذات مساءٍ، على ناصية الصحراء، بامرأةٍ شمطاءَ أخذت بناصيته واستولت على لُبّه، وأفهمته أن الجمال في الأرواح وليس في الوجوه والأجسام، فتزوّجها، ثم هام معها في أحلامه القديمة قبل أن يدرك أن أحلامه مستحيلات. وقد استفاق من الوهم ذات ظهيرةٍ، إذ عثر بالصدفة على صندوقٍ فيه أوراقٌ مكتوبٌ فيها بلغةٍ حديثةٍ أن امرأته الصحراوية الشمطاء، ليس لها ماضٍ وبالتالي فلن يكون لها آتٍ، ولحظتها ثاب إلى الرشد واستفاق فصاح في جوف الصحراء: لماذا هذا العذاب؟
جاوبه الهواءُ اللافح، بقوله: لأنها ليست أنثاك، ولأن الزيت لا يروى الظمأ ولن يمتزج يوماً بالماء، ولأن المغترب مضطرب لا يقدر على الإنجاب.. عندئذٍ صدمته هذه الدواهى، فعاد الشابُّ الذي شَابَ إلى دياره، ليجد امرأته العجوز الموتورة تُشعل في الأنحاء حرائق غريبة الاشتعال، كلما أُخمدتْ، استعرتْ من جديد.
الشابُّ الذي صار بلا دار، دار على القرى يشكو حاله للناس عساه يجد عند سامعيه رحمةً، وأكّد لهم أنه تاب عن الحلم وما عاد يريد إلا لقيمات يُقمن أَوده ويحفظن حياته. لم يسمعه القرويون ولم يروه، لأنهم صُمٌّ بُكمٌ عُميٌّ، ولا يفقهون.. في منتهى مسيره، أعنى عند السلك الشائك العتيق الذي يقف عنده حارس الحدود، التقى بحكيمٍ مطرودٍ من القُرى، قال له: يا ولدى الحائر لا تعبر، فليس لك مقام في غير دارك الأولى. عُد إلى أرضك وعقلك وحلمك القديم، وتزوّج إذا شئتَ ابنةَ عمّك المليحة، فهي تحبُّك منذ الصِّغر لكنها لا تُفصح عن حُبِّها، لحيائها، ولخوفها من الخلاف القديم الذي جرى بين أبيها وأبيك. واعلمْ يا جاهل، أنك مهما تعاميتَ وتصاممتَ وتخارستَ وتغافلتَ، فلن تنجو من حُكم القَدَر القاضي منذ الأزل، بأنك لن تُنجب من غيرها.
**
قُبح

شزراً، نظرَ الغرابُ إلى عصفور الكناري الصدّاح في قفصه الذهبي، ثم نوى بعدما بلغ به الغِلُّ مداه أن يصرعه، ليستريح من سطوة جماله. هبط الغرابُ بجناحيه كالأقدار، والتقط قفص عصفور الكناري بمنقاره، وطار به عالياً وابتعد.. لما وقف الغرابُ على مقرُبة من البحر ليرتاح حيناً، قبل استكمال رحلته، سأله العصفورُ عما سيفعله به من بلايا سوف يُسميها الناسُ بعد وقوعها: القَضَاءُ والقَدَرُ!.. نقر الغراب الأرض مراتٍ ثم قال له: لا شيء، سأطير بك فوق البحر وأُسقطكَ، فيُغرقك القفص فأرتاح منك، بعدما جاوزت أحوالُك احتمالي وأزرَت بحالي. اصفرارُ ريشك الرقيق يتعمّد أن يُذكِّرني بالاسوداد الذي يسُودُني، وتغريدُك يهزأ بنعيقي المُنفّر للسامعين. وتُشعرني رشاقةُ حركاتك، بقبح مشيتي العرجاء على الأرض. فردَّ عليه العصفور قائلاً: يا مسكين، اسودادُك البَرَّاقُ علامةُ البأس والحرية، واصفراري دالٌّ على ضعفي ونحولي وطول حبسي. وصوتُك الذي يزعج البعضَ، تُحبه أُنثاك وتفهمه فتأتى إليك فرحةً، فتمرحان معاً في فُسحة الحرية. وأما تغريدي، فما هو إلا نحيبُ وحدتي حتى يرحمني الحابسون ويأتون إلىَّ بأنثاي الحبيسة مثلى. لكنهم أبداً لا يرحمون، ويحبّون ترنيمي الحزين فيحافظون على سببه. والمشي يا صديقي لا معوّل عليه عندنا، لأننا طيور.. وأنت طائرٌ، عند غير الجاهلين، جميل.
لم يقتنع الغرابُ بهذا الكلام، واستكمل مهمته محلّقاً نحو البحر، وفى منقاره القفص.
**

جمال
فوق البحر الهادر، تحقَّق عصفورُ الكناريا من حتفه ودُنوِّ موته، فابتهج ورفَّ بجناحيه وزفر بالنَّفَسِ الأخير، وفى عقله الصغير دار الفكرُ دورتَه الختامية الخاتمة، وماج، فكان مما جرى لحظتها على باله، ما يلي:
الآن أغيبُ، بعدما غيَّبتُ عن الأعين عذاباتي بنشيج غنائي، وغافلتُ المُتغافلين والنُّبهاء بضيق قفصي وقلّة حركتي، عن اختلال شكلي واستطالة جسمي مع نحول جناحيّ. وأنسيتُ الناظرين غِلظتهم، برقَّتي، التي هي عينُ ضعفي وسببُ هواني..

الآن، أتممتُ كلَّ ما أردتُ.. الآن أموتُ في سلامٍ، مسروراً.
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed:  قصص قصيرة - يوسف زيدان Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.