أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

مقاربات في مواجهة الأصوليّة ثقافيّاً بين الحركة النّقديّة والمشروع البديل


ملاك عبد الله
كاتبة وباحثة من لبنان


لئن برزت الأصوليّة كظاهرة غالبة في عصرنا الرّاهن، الّذي يشهد تنامياً خطيراً لها بصبغتها الإسلاميّة، بعد أن عُرفت بصبغات دينيّة أخرى في محطّات عديدة من التّاريخ، فإنَّ عصرنا هذا نفسه يشهد في المقابل تنامياًللحركة النّقديّة الّتي انطلقت من موقع الرّفض للكثير من الممارسات الشّنيعة للحركات الأصوليّة والتكفيريّة، وصولاً إلى موقع النّقد للمنطلقات الفكريّة والبنويّة لتلك الجماعات.
ولعلّ مشهديّة الحراك الثّقافي والإجتماعي المناهض لتجلّيات الفكر التّكفيري على أرض الواقع قد ظهرت بالتّوازي مع انبعاث هذه الحركات إلى السّطح بعد أن كانت كامدةً خامدةً لفترات، ومنتظرةً للفرصة المؤاتية التي تخرج منها إلى العلن..
وإن كانت الإحصاءات التي تَدرُس عدد المؤتمرات الفكريّة والثّقافيّة في سنة محدّدة تشير إلى أرقام جديدة مرتفعة في السنوات الثلاث الأخيرة لانعقاد المؤتمرات الفكرية لا سيّما تلك المتعلّقة بالفتنة السنيّة الشيعيّة ومشاريع الإسلام السياسي، فإنّه لو حدث وأُحصيت الآراء والمواقف على شبكات التّواصل الإجتماعي والتي تتعلق بتلك المواضيع من أكثر من زاوية، لكان بالإمكان التّوصّل إلى حقيقة علميّة غير قابلة للدّحض، وهي أنَّ المنطقة تعرف اليوم حركةً نقديةً لم تعرفها في السابق من الأيام، بحيث لم تعد تلك الحركة مقتصرةً على مستوى النّخب، بل أنَّها باتت حركة شعبويّةً أيضاً، أو لنقل نصف شعبويّة إن صحّ التعبير( كي تبقى الأمور في إطار الموضوعيّة التي قد تحيد عنها في حال قيل أن كلّ الشّعب أصبح ذا فكرٍ نقديّ). واستشرافاً، بالإمكان فرز جيل الغد إلى فئتين: الأولى أصوليّة نابعة من تلك البيئة التي يسيطر عليها الأصوليون ثقافيا ودينيا واجتماعيا، والثانية نقدية إحتجاجيّة، مستثمرة نسبيّاً للعقل (مع تسليمٍ بالإختلاف والتّباين في درجة النّقد ومستواه)، نابعة من البيئة المُقابلة، بغض النّظر عن خصوصية أي بيئة من تلك البيئات المناهضة، علماً أنَّ الرافضين والناقدين هم من مختلف التوجّهات والبُنى الفكريّة.
وفي حين تعتبر الحركة النّقديّة غاية الغايات وأولى المراحل الإنتقاليّة الفاصلة ما بين وضعٍ جامد أو مهترئ وآخر أكثر انفتاحاً ومعاصرة وتطوّرا، فإنّها قد تقع هي نفسها ضحيّة الجمود إذا ما ظلّت مجرّد كلماتٍ واحتجاجاتٍ وأصواتٍ تولد من هنا وهناك، دون أن تدخل في إطار خططٍ وبرامج عمليّة وواقعيَّة تتضافر معها تلك المطالب نظريّاً، ويُسعى إلى تحقيقها تطبيقياً. ذلك أن الأصولية اليوم هي حركة عملاتيّة تحاول تطبيق الأفكار الّتي كمنت في العقول لمدّة طويلة وأُسّس لها فكرياً قبل سنوات، وبالتالي فإن المقابل لتلك الحركة يجب أن يكون مشروعاً فكرياً تأسيسياً مقابلاً وقابلاً للتطبيق، يُبدأ بتنفيذ خطواته على وجه السّرعة قدر المستطاع. مما لا شكّ فيه أنَّ هذا لا يعني أنَّ الحركة الفكريّة النقديّة هي المعالج العملاني الآني للصعود التكفيري، فالعنف الّذي تمارسه تلك الجماعات لا بدّ وأن يُجابه بـ"عنفٍ مقاومٍ" له. وإنّما المقصد من ذلك هو المباشرة في الولوج في مشاريع فكرية- عمليّة ضخمة، تُحدد نقاط الخلل المؤسِّسة للعقليات الأصوليّة، وتسعى مباشرةً إلى معالجتها ليس فقط من خلال الإحتجاج والكلمات البراقة، وإنما من خلال سدّ المنابع الفكرية لهذه الذّهنيات، سواء تولّد من بعض المؤسسات الدينية، أو من طرائق تعليم الدين في المدارس، أو من بيئات الفقر الّتي تغذّي بشكلٍ كبير هذه الذّهنيات، أو من مواقع الحكم الظّالمة الّتي تشجّع المظلومين على الدّخول في حركات تمرديّة من أجل الثورة على هذا الظلم، فلا تجد ملاذاً إلا تلك الحركات البائسة، أو غير ذلك من أسباب. وبالتالي فإن الخطوات يجب أن تبدأ. لابُدّ وأن تجتمع كافة الأطراف الإسلامية اليوم على المشروع البديل، لا على الرَّفض والبراء، إذ أن مدة الرفض والإستنكار باتت كافية، وأصبحنا في الفترة التالية في هذه المرحلة، وهي تلك الّتي يجب أن يعتبر فيها جميع أصحاب القرار والنفوذ اليوم معنيين ببلورتها، أي بلورة المشروع البديل ذي الخطوات المحدّدة، حتى يُصار بعدها إلى الإنطلاق إلى المرحلة الثالثة وهي الخوض فعلياً في العمليّة الإنتقاليّة التي قد تطول مدتها، إلا أنها معروفة المسار والمصير في نهاية المطاف، والتَّجارب التَّاريخية خير دليلٍ على ذلك.
الحاجة ماسّة اليوم إلى عقد مؤتمرات من نوعٍ جديد، أو إلى مؤتمرٍ واحدٍ على الأقل موسّع، يشمل مختلف الإتجاهات الإسلامية الدينية، ولكنّه لا ينتهي ببياناتٍ وكلماتٍ تجمع الحقل المعجمي للإستنكار والرفض، بقدر ما ينتهي ببنود تجمع قاموس الفعل والحركة، وتعد بإظهار نتائج الفعل في الفترة الزمنية التي تحدّدها. وهذا يتطلب مساعي حقيقية وإلى جهود المثقفين أيضاً من أجل تحريك هذه القضية، أي قضية الإنتقال من مرحلة الحركة النقدية إلى مرحلة تقديم مشروع نقدي متكامل بديل، يبدأ من بعده اتخاذ الخطوات اللازمة والضرورية للعبور إلى المرحلة الأخيرة من مراحل معالجة واستئصال هذه الظاهرة الأصولية الخطيرة.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: مقاربات في مواجهة الأصوليّة ثقافيّاً بين الحركة النّقديّة والمشروع البديل Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام

nan

Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.