أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

داعش.. إرث ثقافة الصحراء -الشيخ صادق الحسناوي


من هنا بدأت الحكاية، حكايتي مع فهم داعش باعتبارها جزءاً من ثقافة الاعراب الموغلة في التوحش والعنف وسفك الدماء! لعلكم سمعتم أو قرأتم كيف رد النابغة الذبياني دعوى حسان بن ثابت بأنه اشعر العرب، أتدرون ما قاله النابغة لحسان، إذ انشده قوله:
لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحى.. وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجـدَةٍ دَما
فقال: إنك لشاعر لولا إنك قلت ” الجفنات ” فقللت العدد ولو قلت ” الجفان ” لكان أكثر. وقلت ” يلمعن في الضحى ” ولو قلت ” يبرقن بالدجى “. لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً. وقلت: ” يقطرن من نجدة دماً ” فدللت على قلة القتل ولو قلت ” يجرين ” لكان أكثر لانصباب الدم.. فقام حسان منكسراً .
انها حكاية دم يجب أن يجري لتستوفي القصيدة غايتها ويتغنّى بها المغنّون وحسّان هو القائل: تغنَّ بالشعر إذا ما كنت قائله.... إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ
والشعر عند العرب فن أدائي يراعى فيه قوة الإلقاء وكيفيتها وحركات جسد الشاعر فهو غناء موسيقاه الوزن والقافية!
هل كان النابغة مخطئاً في رده لحسان ؟
لا لم يخطئ في ردّه، فالعرب اشترطت أن يخاطب الشعر المتلقّي بما يفهمه وبما يقوم به يومياً ويعزّز قناعاته بقيمه المستندة إلى تقاليده وأعرافه.. أراده النابغة أن يكون جزّاراً تجري الدماء من سيفه ولا تقطر، وحسان أصاب الهدف ولكن بالقليل من الدماء، ربما لأنه كان جباناً ولم يضرب بسيف طيلة عمره مستعيناً بلسانه الذرب عن نصال السيوف وأسنّة الرماح.
(ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي)

كانت معركة أُحد شاهداً في عصر الرسالة على توحّش الأعراب عندما اقبلن (بنات الفجور) يرددن مع هند بنت عتبة:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
الدر في المخانق والمسك في المفارق

مشي القطا البوارق ان تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق، فراق غير وامق

وأسفرت تلك المعركة بقتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) ومضغ هند لكبده بعد قتله، وهو مشهد أعاده داعشي في سوريا عندما استخرج قلب جندي سوري ولاكه أمام مرأى العالم ومسمعه وشاهده الملايين قبل أن يتكرر مشهداً آخراً مشابه له في توحّشه وتذبح هذه البهائم طفلاً في الثانية عشر من عمره بالسكين وبلا رحمة.
هذا التشفّي بالقتل والسبي والتهديد بالملاحم وضع النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم العصا في دولابه مبكّراً عند فتح مكة، إذ علا صوت سعد بن عبادة وهو ينادي:
اليوم يوم الملحمة.. اليوم تُسبى الحرمة
فقال (صلى الله عليه وآله) وسلم لعلي (عليه السلام): إدرك سعداً فأدركه ونادى:
اليوم يوم المرحمة.. اليوم تُحمى الحُرَمة
ليردوا له الدين بعد ثلاثين عاماً قتلاً في محراب تعبّده، وشواهد أخرى على تجذّر أسلوب داعش، منها:

قتل خالد بن الوليد الصحابي مالك بن نويرة وجعل من رأسه ورؤوس أصحابه اثافي لجفان طعامهم، ثم تزوّج امرأة مالك بعد قتله مباشرةً وكانت مضرب الأمثال في جمالها! وقالوا عن خالد انه اخطأ وطهره سيفه بالجهاد! بمعنى آخر القتل يطهر خطيئة قتل سابق!
وفي قمامة التاريخ نقرأ ما كتبه الثعالبي في كتابه (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) المطبوع في القاهرة بتحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم عام 1965 مايلي:
("ليلة المتوكّل" هي الليلة التي قتل فيها وكانت ثلمة الإسلام وعنوان سقوط الهيبة وتاريخ تراجع الخلافة وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلت من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائتين قتله باغر التركي بمواطأة المنتصر في مجلس أنسه وقد أحدق به الندماء والمطربون ودارت الكؤوس وطابت النفوس فانقلب مجلس اللهو والطرب إلى مجلس الويل والحرب وأكثر الشعراء فى وصف هذه الوقعة فمنهم أحمد بن إبراهيم الأسدي يقول من قصيدة:
هكذا فلتكن منايا الكرام... بين ناى ومزهر ومدام
بين كاسين أروتاه جميعاً... كأس لذاته وكأس الحمام

ومنهم البحتري شهد القتل فقال من قصيدة:
لنعم الدم المسفوح ليلة جعفر... هرقتم وجنح الليل سود دياجره
كان ولى العهد أضمر غدرة... فمن عجب أن ولى العهد غادره
فلا ملى الباقى تراث الذى مضى... ولا حملت ذاك الدعاء منابره
وممن ضرب المثل بليلة المتوكّل أبو القاسم الزعفراني حيث قال من قصيدة في فخر الدولة:

قد ألقت الدنيا أزمتها إلى... ملك الملوك على بن أبى على
فاطرب سرورا بالزمان وحسنه.. واشرب على إقبال دولة مقبل
كم آمن متحصن فى جوسق.. قد بات منه بليلة المتوكّل
أمير (المؤمنين) المتوكّل يُقتل بين كؤوس الخمر ومزامر المغنّين فيحدث قتله ثلمة في الدين!!
"داعش" ليست ثقافة طارئة على الأعراب، إنها إرث إجرامي يتمثّل معتنقوه رمزية قادة هذا التراث وسلوكهم وجلفهم وغلظتهم، إنهم نتاج سِفاح جاهلي استمر إلى عصرنا بعناوين شتّى، أخطرها العنوان الديني، فكان نتيجة ذلك أن عاد سِفاح الجاهلية (جهاد نكاح) وعادت بنات طارق تمشي على النمارق في العراق وسوريا واليمن وليبيا والبحرين وغيرها، تُرى هل أخطأ "مرجليوث" وهو يرد على جرجي زيدان معاتباً إيّاه لكتابته عن انساب العرب قائلاً: إن العرب قبل الإسلام لم يكونوا على علم بنظام الأسرة ولا ينتسبون إلى جد لقبيلة وانتسابهم كان إلى طوطم، يتّخذون له اسم حيوان، ولهذا طغت أسماء الحيوانات على أسماء قبائلهم والى عصرنا الحاضر، كانوا يبيحون النساء التي تلحق هي الأخرى مولودها بأقرب الرجال شبهاً به ممن قاربها. وعندما جاء الإسلام انشطروا حوله إلى شطرين، مؤمن به ومعادي، ومن ذراري المعادين كانت داعش وكانت حاضنتها الأهم في نجد والطائف وقطر لتعيد إلى الأسلاف مجدهم وتنتصر للنابغة الذبياني وتعيد حسّان منكسراً خائباً، لأن سيوف قبيلته تقطر دماً ولا تجري جرياناً، ومنه نفهم حال العرب عندما كانت سوريا ومصر والعراق في خمسينيات القرن المنصرم وستينياته، بل حتى سبعينياته، قبل أن ينهي حزب البعث الدموي في العراق عمقه الإنساني، نفهم أن حواضن الحضارة هذه قدمت للعرب الأجيال اللاحقة علماء ونوابغ وعباقرة، وعندما آل أمر العرب إلى تحكّم آل سعود وقطر بمصائرهم، عادت بنا الدنيا إلى يوم الغبراء وداحس وحرب كليب بن وائل..

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: داعش.. إرث ثقافة الصحراء -الشيخ صادق الحسناوي Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.