أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

نُتقن الشّعر ونُهمل الفكر!-ملاك عبد اللّه



كاتبة وباحثة من لبنان

فرقٌ بين أن تجلد الذّات وأن تعرّها. فعل التَّعرية لا يُناقض في العمق فعل البناء والتّطوّر، لكونه يتلاقى وعمليّة المحاسبة. في حين يستبطِنُ فعل الجلد عمليّة تيئيسٍ وتطيُّرْ، بحيث تصبح المحاسبة غير موضوعيّة، بالإمكان أن تجرف معها الكثير من الحسنات، لتُحيلها سيّئات في عهدة الذّات.
مشكلتنا في عالمنا العربيّ هذا أنّنا إمّا نُبدع في فنّ جلد الذّات، أو نبدع في تضخيمها وإظهار تعاليها. في "الإبداع" الأوّل عملية انبطاحٍ أمام الآخر، وفي الثّاني شيءٌ من فتل العضلات من أجل الإنتقاص من الآخر. الحالة الوسطيّة ما بين الحالتين إن برزت فإنها تبقى استثناءً وسط هذا الفضاء الواسع من الإتجاهات الحاسمة وغير الوسطيّة، ثمّ يخفت وهجها مع الزمن شيئاً فشيئاً. بالإمكان في هذا الصّدد الإشارة إلى نموذج الحركة الإصلاحيّة الّتي عرفتها المجتمعات العربية أواسط القرن التاسع عشر، والتي كان جمال الدّين الأفغاني و محمّد عبده وخير الدّين باشا وغيرهم من أبرز روّادها، ثمَّ ما لبثت أن خفتت نسبياً، لتصبح اليوم مجرّد أفكارٍ حبيسة الكتب أو النُّخب أو كلاماً ينطق به بعض العلماء الَّذين إما لا يجدون من الآذان الصاغية إلا القلّة القليلة، وإما يواجَهون بحملات تشويهٍ وتضليل من هنا وهناك.
يحاول هذا المقال ممارسة نوعٍ من الكشف والتّعرية للذَّات العربيّة ( أي ذاك الفعل الوسيط ما بين الجلد والتضخيم) في جانبٍ محدّدٍ منها، ولكنّه جانبٌ أساسيّ في تكوينها، وهو ذاك المتعلّق باللّغة. ولئن تميّز القرآن في إعجازه اللغوي والفصاحة والإيجاز، فإن العرب والمسلمين على وجه الخصوص لا يتوانوا عن محاولة استنطاق الكلمات القرآنيّة والإهتداء بإيقاعها وبلاغتها، الأمر الّذي يضفي على القرآنيين إن صحّ التّعبير مزيداً من مظهر العلاقة القوية بينهم وبين كتاب الله انطلاقاً من التعلّق بإحدى تجليات إعجازه. إلا أنَّ هذه العلاقة تدخل في صلب الإشكاليّة الأبرز أو بالأحرى التُّهمة الأوضح الّتي تُلصق بالمسلمين، وخصوصاً في عصرنا الرّاهن هذا، وهي مدى التركيز على الظّاهر من الأشياء وإن كان جميلاً، والإغفال عن التمحيص في البواطن والأعماق.
في محاولة لتتبّع مدى تأثير اللغة وسلطتها على إنسان العالم العربي والإسلامي، بالإمكان رصد مئات الكتب المعنونة بعناوين مسّجعة، والمنتقاة مفرداتها بشيءٍ من الإيقاع الّذي يُقارب الشّعر في نظمه، مع إدراك الكاتب مسبقاً ما لذلك من أثر في اجتذاب القارئ. يُذكر منها على سبيل المثال: (بلوغ المآرب في أحوال العقارب، الدّرّ المكنوز والسّرّ المغروز في الدّلائل والخبايا والدّفائن والكنوز، طرز العمامة في التّفرقة بين المقامة والقمامة، الإقتصاد في الإعتقاد، الدّرر في اختصار المغازي والسّير، الدّرّ المصون في علم الكتاب المكنون، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، الفتح العزيز في شرح الوجيز، روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، الرّوض الأنيق في فضل الصّديق)،... وقِسْ على ذلك ما يُقاس.
ليست القضيّة هنا محاكمة العرب على المبالغة في استعمال البلاغة والشّعر، وعلى الإهتمام والحرص الزّائد في إظهارها، فاللّغة إنّما هي هويّةٌ في الأساس، والتمسّك بها والسّعي إلى إبراز جمالها هو جزءٌ لا يتجزّأ من فعل الأصالة فيما تعنيه هذه الكلمة من الحفاظ على الهويّة المتمايزة. وإنما تكمن المعضلة في اختلال التّوازن ما بين الإهتمام باللّغة والمضمون لدى الكثيرين، لاسيما أنَّ الجهلة من النّاس يؤخذون بادئ ذي بدء بالفصاحة والبلاغة والموسيقى، لا بالمتن والجوهر، فيضفون بعد ذلك المشروعيّة على هذين الأخيرين انطلاقاً من قوّة اللغة، وبالتالي بالإمكان القول أنَّ من امتلك القلم والكلم، امتلك قوة جذب جماهيريّة كبيرة. ولعلّ ذلك هو السّبب الأساس وراء حرص بعض المؤسسات الدينيّة على تخريج دعاةٍ يتقنون اللغة قواعداً ونغماً ومخارج حروف.
ومن الجدير ذكره في هذا السّياق أنَّ أغلب الأصوليين وذوي المنحى التّكفيري ينتبهون دائماً في خطاباتهم إلى مخارج الحروف بشكلٍ متقن، واستعمال التّعابير الإنشائيّة والخطابيّة المسجّعة والمتداولة في العصور الإسلاميّة الأولى وليس ذلك سوى دليل إضافيّ على مدى الإهتام بالشكليّات والظّاهر، في مقابل الغفلة عن مقاصد هذا الظاهر.
قد تأخذ عمليّة جلد الذّات بالبعض إلى ناحيةٍ تصبح الدّعوة فيها إلى إحلال العلاقة والإهتمام الدّائم باللغة دعوة إحلال للهويّة، بحجّة العولمة والإنفتاح على الآخر ومواكبة العصر وفقاً للغته العالمية أو الأجنبية، لاسيّما وأنه المصدّر الأبرز للحضارة وفق نظرهم، وبالتالي لا تلاقح مع حضارته إلا باستعمال لغته والإستغناء عن لغتنا. وقد تأخذ عمليّة تضخيم الذّات بالبعض إلى نسف كلّ لغات العالم واتخاذ موقفٍ سلبيّ بل عدائيّ تجاهها، إلى حدّ منعها من إطار التداول واتهام من يتداول بعض مفرداتها بالتغرّب... التّطرف أينما حلّ وفي أي مسألة يضعف الذّات ويعرّضها للإنهيار. وإنَّ نقطة القوّة في ذات معيّنة قد تصبح هي نفسها نقطة الضّعف الأبرز إذا ما أسيء استخدامها.
إنَّ جماليّة الكلمة قد تنهار وتُلوّث بضحالة المضمون، وإنَّ حُسن المضمون قد يُقوّى بحسن الكلمة، وإنه لمن اللصوصية في مكان إيهام الناس بقوة المضمون من خلال اللعب على قوة البلاغة.
عيبنا الأبرز أنّنا كثيراً ما نولي الإهتمام بالشعر ونهمل الفكر. الشّعر دون فكرٍ يغذّيه يكون سهلاً بسيطاً لا يستهويه إلا المترفون، والفكر دون فصاحة وسبك في اللغة يبقى جنينياً من حيث الإنتشار، وإن كان عملاقاً من حيث الفكرة، ذلك لكون اللغة تدعم الفكر وتقوّيه وتحصّنه وتقدّم له بطاقة عبور سلسة إلى النّاس.
غاية المطلوب اليوم، لا سيما في عصرنا الظلاميّ هذا، هو إيجاد حالة من التوازن في الإهتمام ما بين الشكل والمضمون. ما بين الشعر والفكر. أن يكون الفكر هو الغاية، والشعر هو الوسيلة. وهذا الأمر يتطلّب مجهودات فكرية للتنبيه ولفت النّظر إلى هذا الموضوع، وكلّ ذلك في سياق التنبيه إلى أن الأولوية الأساس هي للمضمون، فيما يكون الشّكل مكمّلاً ومسانداً، ليس إلّا.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: نُتقن الشّعر ونُهمل الفكر!-ملاك عبد اللّه Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.