أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

قراءة وتصويب عاشوراء بين الشعائر والعقلنة



إيمان شمس الدين
باحثة وكاتبة لبنانية

الإصلاح والنهضة:
الإصلاح حالة تصويبية لمسار الأمة والنقد والتقييم أدوات عقلية للنخبة فيها التي تعيش في رحم المجتمع وتعي الانحرافات الخطيرة فيه، إدراك الانحراف يكون بالنظر إلى ميزان العدالة الاجتماعية فكل ما يمكن أن يحرّف الميزان ويشكل تمييزا يعمق الطبقيات بكافة أشكالها هو انحراف.
وكل ما يعمّق الطبقية يكون سببا في حجب الحق والحقيقة عن عقول الناس فيؤخّر من مسيرتها النهضوية والتكاملية والإبداعية. فالإصلاح كخطوة هي سابقة للنهضة سبق منطقي لا زمني، لكنها قد تكون مرافقة له زمنياً أو سابقة عليه.
فهو مرحلة تأتي بعد إدراك الخلل في الواقع الخارجي، وإدراك الخلل يتطلب وعي وبصيرة ومعرفة بالحقيقة والواقع الذي يجب أن تكون عليه الأمور، بالتالي هذا الوعي يحرّك صاحبه لتشخيص وجود خلل خارجي مربك للمجتمع، يدفعه للتقييم والنقد وإعادة النظر، بالتالي لتشخيص الحاجة للإصلاح، وهو تشخيص استراتيجي بعيد، ناظر لمآلات الأخطار والانحرافات الاجتماعية، وخطورته على الوجود الإنساني ووظيفته، بالتالي يتحرّك لأجل إصلاح الخلل ومن ثم النهوض بالواقع.
النهضة فكرة قرآنية أسّسها الله تعالى لترسم معالم الإنسان في أبعاد كثيرة، تبدأ في معراجها نحو النهوض من دائرة الذات وتتسع هذه الدائرة إلى الأسرة، ومن ثم تأخذ إتساعاتها أبعادا تشمل المجتمع ومن ثم الدولة بحدودها الجغرافية الخاصة والخارج جغرافية أي دولة الإنسان.
والنهضة متصلة اتصال عضوي وظيفي بالتغيير ببعده الإيجابي، كونها كفكرة تكتنز في عمقها الحركة وليس الركود، والحركة باتجاه تصاعدي، وهي من مقوّمات التغيير – أي الحركة – ومن مصاديق الحركة التصاعدية المقاومة التي تعني رفض ومواجهة كل ما من شأنه سلب مقومات إنسانية الإنسان، وهي الحرية والإرادة والاختيار، سواء بالاستبداد أو الفساد الذي يعيق نهضة الإنسان والمجتمعات والدول، أو بالاحتلال الذي يسلب المقدرات والثروات والمقومات ويهدر الطاقات فيمنع النهضة كونها مقوضة لوجوده ومانعة لهيمنته.
ولو توغلنا بالفكرة قليلاً كي ندخل بها أرض الواقع لوجدنا أن النهضة مع وجود المطامع والمطامح والنزعة نحو الهيمنة من قبل دول النفوذ الاقتصادي والعسكري، ستحتاج النهضة كي يتم تفعيلها كمشروع أممي يبدأ من الفرد إلى المجتمع والمجتمعات المشكلة للشعوب لينتهي بالدول، ستحتاج إلى مأسسة في منظومة متكاملة.
ولو عرجنا تاريخياً على مصداق حي للإصلاح والنهضة كان له أثراً بالغاً ومازال على مسيرة الإنسان في مواجهته للظلم والاستبداد ومسعاه للإصلاح، ملهمة لعقله بالفكرة ومعبّأة لوجدانه بالثورة والعاطفة.
كانت من أهداف الإمام الحسين "عليه السلام" التي صرّح بها، هي الإصلاح في الأمة، ولم يقل إصلاح واقع الأمة، لأن الواقع هو صناعة الإنسان، فالإصلاح في وعي الأمة ومعاييرها وقيمها وأهدافها وفهمها للكون من خلال إصلاح رؤيتها الكونية سيغير واقعها وينهض به.
فالإصلاح والنهضة كليهما يحتاجان للفكرة والعاطفة في الخطابات والأدوات، كي يصيبا حاجة الإنسان في كافة أبعادها، وكي يحرزا حقيقة التغيير التي هي هدف الإصلاح والنهضة.
وبعد ذهاب الحدث زمنياً وبقائه تاريخياً تحوّل إلى ساحة ملهمة في القراءة والفهم، ومصدرا يتكأ عليه كل حرّ مريد للحرية ورافضاً للاستبداد.

الشعائر وآليات التحقّق:
في أي بحث علمي موضوعي يفترض أن يتّسم البحث بالدقّة، فسلامة المقدّمات ضرورية لسلامة النتائج. فلكي نشخّص مسألة ما هل هي في دائرة التشريع المقرّرة في خمس مساحات تكليفية هي: الحلال والحرام والمكروه والمستحب والمباح، أو هي في دائرة هذا ما وجدنا عليه آباءنا، كموروث وعادة وعرف وتقليد. وكوننا نسعى لسلوك السبيل الأقصر الموصل للصراط وهو صراط المعصوم، وبما أننا نتعاطى مع معصوم فيفترض أن نتجرّد من كل أسلحتنا القتالية الحزبية والمذهبية وحتى أهواءنا النفسية، فإتباع شريعة الله يكون كما يريد الله من خلال من أرسله لا كما تهوى أنفسنا. وأي سلوك ظاهري عاطفي يعبّر عن الحب والميل من قبل أفراد، يفترض أن يأخذ بالحسبان:
أولاً: مآلات ذلك على الجماعة التي ينتمي لها الأفراد.
ثانياً: تشخيص خصوصية الزمان والمكان وضرورات المرحلة.
ثالثاً: المجتمع الذي ينتمي له وخصوصيته التي تقتضي مراعاتها بما لا يضرب الأطر العامة للاستقرار الاجتماعي وأمنه، وبما لا يقوّض مكتسبات ذلك المجتمع ومنجزاته في صدد التعايش والتسامح.
رابعاً، وهو الأهم على الإطلاق: انعكاس أي سلوك على رسالة من يحب وأهدافه، كون رسالة المصلح وأهدافه تتناسب مع سعة شخصيته، فحينما يكون شخص وجوده الوظيفي عالمي وهو الكشف عن واقع التشريع وإزالة الحجب عن عقول البشر للوصول إلى الحقيقة، وهداية الناس لأقصر الطرق المحقّق لسعادتها، فإن شخصية عالمية بأهداف عالمية كهذه تفرض على الأتباع والمحبّين بأن يرتقوا بأدائهم وفهمهم إلى هذه العالمية، كونهم المؤتمنين عليها أولاً، والمعبّرين عنها ثانياً، والذين يفترض أن يكمّلوا مسيرة عالميتها ثالثاً.
فلا يصبح في هكذا حال مسموحاً بالسلوكيات والممارسات غير المنضبطة مع كل هذا الزخم العالمي والعطاء الذي قدّمته تلك الشخصية على هذا الطريق.
وحتى في دائرة العادات والأعراف والتقاليد والموروث، فهناك معيار في تصنيفها هو العقل والشرع خاصة في تعاطينا مع المعصوم، ومع رسالته، وهو ما يتطلّب منا تقييم منهجي علمي مستديم لكل ما جاء بعد تلك الواقعة والمسيرة، كي نعيد سيرنا على النهج ونضبط إيقاعه بما يناسب إلهية الحركة، وقيمة التضحيات التي قدّمت لأجلها. فالمسألة ليست سباق في الحب الكّمّي، وليست عنتريات ولا مزايدات أو مصادرة على المطلوب، لأننا:
أولاً: نحن كبشر في خندق واحد اليوم مستهدفين في إنسانيتنا ووجودنا الوظيفي من قبل المستبدين والظالمين.
ثانياً: الكَمّ ليس عبرة وحده، ولكن الكيف له أصالة يتبعه الكَمّ والجمع بينهما غنيمة. وهنا صراع بين العقل والعاطفة في ساحات الاستفادة من مَعين المعركة الخالدة.
فلا نستطيع أن نقدم "نوعاً" جافاً قاسياً بلا روح، يعتمد العقل بالفكرة منهجاً خالصاً، ولا نستطيع أن نقدم "كَمَّاً" سطحياً عاطفياً، تفيض به الدمعة دون أن نعي عمق الثورة ودلالاتها ومآلاتها وأهدافها العالمية.
فالمفروض أن لا نعيش هذا الصراع، والأجدى كيف نقترب من الحقيقة الكاملة، وكي نفعل يجب أن تتناغم خطاباتنا وممارساتنا وأدواتنا مع متطلّبات كينونتنا المتكاملة والمتوازنة بين الوجدان (العاطفة) والعقل.
ففي كربلاء ينقل لنا التاريخ مواقفاً قبل الواقعة وبعدها، جلاها الفرزدق حينما اختصر المشهد في وصفه للناس مخاطباً الإمام الحسين: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، فكانوا في كربلاء يبكون الحسين "عليه السلام" على الرغم من مشاركتهم في قتله وتقطيعه وسرقته، وهو ما يدلّل أن المعيار العاطفي إن كان وحيداً في ساحة الإنسان، فهو معيار خطير قد يسبّب انحرافاً خطيراً في واقع الأمة. لذلك كان الضبط العقلي للفكر والعقيدة والمنهج مطلباً وجودياً حقيقياً، لأنه سيجعل الناس في معسكر الحسين "عليه السلام" لا في معسكر عدوّه على الرغم من بكائهم عليه.
فالفكرة نتاج للعقل، ولكن شريطة أن تكون منضبطة المقدّمات وسليمة الوسائل لتحقّق نتائج صحيحة، وكلما ارتقت الفكرة ارتقت معها العاطفة لتصبح الفكرة بالعقل مندكة بالعاطفة وترتقي إلى مستوى الوجدان الإلهي الشبيه بوجدان الحسين "عليه السلام" الذي كان يرى كربلاء ساحة للعشق الإلهي، على الرغم من مأساوية المشهد وكان يردد: (أرضيت يا ربّ خذ حتى ترضى). وهذا يجلي حالة العاطفة التي انضبطت على طريق العقل والفكرة.
إذا نحن بحاجة لـ"العقل" و"الوجدان" و"الكم" و"النوع"، في خطاباتنا وممارساتنا وأدواتنا ومناهجنا وسلوكنا وأهدافنا كي نكون مخلصين لأمرين:
الأول: صاحب الثورة وتضحياته. ثانياً: عالمية الثورة وأهدافها.

الأدوات والآليات:
دوماً ما كُنّا نقرأ ونسمع عن حاجتنا للتجديد في طرح عاشوراء كشعائر وكخطاب وضرورة المواءمة والعصرنة مع الراهن، وقد طرحت محاولات عديدة ومهمة في الآليات والأدوات في حركة التطوير، جُلّها كَمّي لا نوعي.
فتمّ على سبيل المثال لا الحصر استغلال الفضاء مع ثورة الإعلام، ففتحت الفضائيات كوسيلة لنشر الثورة الحسينية، وكثرت المجلّات التي تناقش ملف عاشوراء وتستفيد منه، وبات لدينا مسرحاً حسينياً يجسّد لنا المعركة حسّياً.
لكن جلّ ما سبق مازال يعاني نوعياً مما عانى منه الخطاب المنبري، من حيث الطرح الشعائري فقط للقضية، وعدم التدقيق في الواقعة من حيث الأحداث التي حصلت والنصوص التي وردت فيها عن المعصوم "عليه السلام". فالسبق إلى الفضيلة مهم، لكن العبرة في مدى ما قدّمته بعض الأدوات للثورة.
فالفضائيات والمسارح والمجلّات التي تحاكي الثورة أهميتها تحدّد من خلال ما قدّمته هذه الأدوات من سعة إدراك في وعي الناس، وما قدّمته من قيم ومعايير إلهية يفترض أن تنعكس على سلوك الناس ومدى مواجهتهم للظلم والظالمين ورفضهم للاستبداد، وقدرتهم في الدفاع عن حقوقهم وإرسائهم للعدالة وقبولهم لها وللحق ومعاييره. ولا أحد هنا ينكر أي جهد يقدم في سبيل الارتقاء، مهما كان بسيطاً شريطة أن تنطبق عليه معايير العقل والشرع.
فالفوضى باسم الشعائر الحسينية ليست فقط مرفوضة عقلا بل شرعاً، وما نعنيه بالفوضى هو الامزجة والاستحسانات الفردية التي لا تنطبق عليها معايير العقل والشرع، والتي لمجرّد ورودها عن السابقين تحوّلت لتشريعاتٍ يُدان بها مقدّساً فوق النقد والتقييم.
المطلوب هو التنضيج دوما لما يقدم هذه الثورة بطريقة يتمّ الاستفادة منها كونها ثورة خالدة أصيلة، وهو ما يعني قدرتها على تقديم نموذج دائمي متحرّك في كل زمان ومكان.
وهنا تكمن قدرتنا على جعلها كمدرسة حيوية تحاكي واقعنا وتكون قادرة لأن تعالج إشكالياتنا الراهنة لا أن تعمّقها وتعقّدها من خلال ممارسات منتسبيها. فالحسين "عليه السلام" خرج للإصلاح الذي شرَطَه بأنه لا أشراً ولا بطراً.
كلما كانت الأهداف سماوية عالية، يفترض أن تكون آلياتنا المحقّقة لتلك الأهداف ترتقي لمستوى سماويتها وعالميتها.
فنحتاج لذلك ضبط ومنهجة مستديمتين من خلال التقييم والنقد، وانفتاح أفق دون تحسّسات جهوية أو حزبية أو مدرسية حوزوية، بل تحت عنوان (إعرف الحق تعرف أهله) و(يعرف الرجال بالحق)،وعنوان (الحكمة ضالّة المؤمن). مع قدرتنا على فهم سعة استيعاب الثورة للجميع من خلال تنوع الشخصيات التي انضوت تحت راية الإمام الحسين عليه السلام وسعة استيعابها لكل تلك التنوّعات الفكرية والمرجعية. ودون أن يعتقد أحدنا أنه هو فقط حامي الحمى عن الحسين "عليه السلام"، فحب الحسين اخترق قلوب العالم المسلم وغيره لأنه عالمي وليس مذهبي.
فالعالمية تتطلّب رسالة عالمية وأدوات عالمية، وإلا بقينا في مذهبة القضية الحسينية وتقويضها.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: قراءة وتصويب عاشوراء بين الشعائر والعقلنة Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.