أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

الجغرافيا وصناعة الحدث العراق أنموذجاً -إيمان شمس الدين


كاتبة وباحثة لبنانية

الأهداف غير المعلنة من اتفاق "سايس بيكو" الذي قسم المنطقة العربية، كان أحدها التفتيت وتشتيت الشعوب، خاصة بعد أن راقب الغرب تحالف الشعوب وجبهات المقاومة ضد المستعمر، وكيف تحقق هذه الجبهات عملياً ضربات موجعة للوجود الاستعماري، ولو استمرّت في نضالها لحققت غايات التحرر على المدى البعيد.
ولمعرفة المستعمر بأهمية وأثر الجوار الجغرافي في هذه التحالفات، لارتباطها بلغة وهوية واحدة، ولاستظلالها بثقافة وعادات وتقاليد متقاربة وتشابكها في النسب وصلات القرابة، فقد عمد إلى التفتيت والتقسيم لأجل التشتيت ليتمكن بعد ذلك من الهيمنة.
فحينما كان العثمانيون يحكمون دول المنطقة بالجور والظلم، توحّدت جبهات المقاومة ضدهم في لبنان وفلسطين والشام، وشكلت قوة استطاعت أن تردع في كثير من المناطق طغيان "العثمنلي".
وحتى بعد احتلال الدول من قبل الفرنسيين والبريطانيين، كان لنفس الجبهة المقاومة دور كبير في زعزعة هذا الاحتلال، فحينما قام الاحتلال الفرنسي في لبنان بإعدام المناضل المعروف أدهم خنجر، تداعت قوى المقاومة في سوريا وفلسطين ووحدت جبهاتها ضد المحتل، انتقاما لاعدام مناضلها الكبير الذي ارتبطوا به في ساحات المقاومة، وقدموا مجتمعين دماء لأجل مسيرة التحرّر.
فالجوار الجغرافي كان يشكّل نقطة قوة في هذا التلاحم، وفي توحيد الصفوف ضد عدو مشترك واحد.
وفي العراق التي كانت منارة ثقافية وعلمية، تفرّدت فيها الشخصية العراقية بقدرات ومواهب فائقة من حيث القدرات الذهنية والثقافية والأدب والعلم في مجالات الفيزياء والطب وعلوم الشريعة، مما ميّز الفرد العراقي بمستوى وعي متقدّم في منطقة الخليج. هذا فضلاً عن مقوّمات العراق الحضارية وقِدَمِها الضارب في عمق التاريخ، وجغرافيتها المجاورة لدول الخليج التي جُلّها كانت متأخّرة عن الركب الحضاري قبل النفط، فكان العراق الملهم لحركات التغيير والإصلاح.
فأي حراك سياسي إصلاحي نهضوي في العراق أو حركة ثقافية مؤثرة في مسيرة الوعي، كان له انعكاسات كبيرة على الشعوب في الخليج خاصة في البحرين والكويت، للجوار الجغرافي وللارتباط الثقافي والنسبي بين هذه الشعوب، والتداخل في صلاة الرحم بينها عائلياً وقبلياً.
وهو ما أدركته أنظمة هذه الدول، التي تحالفت مبكّراً جداً مع المستعمرين وفق شروط أهمها: أن يكون لهم الحكم كعوائل، وللمحتل الهيمنة في السياسة والثروات، فكان مفهوم السيادة في ذلك الوقت لا يتعدى سيادة العائلة على سدّة الحكم ظاهرياً، وتصرّف المحتل بشؤون الشعب والثروات واقعيا.
وكثيرة هي الشواهد التاريخية التي لجأ فيها حُكّام هذه المنطقة للمستعمر البريطاني لحل النزاعات بين إما عوائل الحكم فيما بينها، أو خلافات الشعوب مع حكامها، كما حدث بين آل صباح وآل سعود، وما حدث بين آل خليفة وآل سعود أيضاً. وما كان يحدث من نزاع في داخل العائلة الواحدة على السلطة والثروات، كما هو حال نزاعات آل خليفة الداخلية في البحرين.
العراق كان من أوائل الدول التي نالت استقلالها، وكان ذلك في ٣ اكتوبر ١٩٣٢م بعد المملكة العربية السعودية، ولكن ما ميّز العراق هو قيام الأحزاب السياسية ومناوئتها للاستعمار، وانضمامه إلى عصبة الأمم، وإطلاقه لإذاعة "قصر الزهور" الموجّهة ضد الاستعمار البريطاني، والتي كانت تصل بصوتها إلى أبناء الخليج.
وإذاعة "قصر الزهور" لعبت دوراً هاماً في حراكات الإصلاحيين في البحرين والكويت، وهو ما أثار البريطانيين الذين طالبوا الملك في العراق في ذلك الوقت بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للكويت.
وما أريده ليس الخوض في تفاصيل تاريخية بقدر محاولة رصد أثر الجوار الجغرافي على الحراكات الشعبية، والمطالبات بالإصلاح.
وهي محاولة لفهم التدخل الذي تقوم به أنظمة خليجية في العراق، لإفشال العملية السياسية في العراق والانتقال التدريجي للحكم الديمرقراطي المدني، وتحت عناوين مذهبية توظّف الدين في سبيل بناء حاجز معرفي وسياسي وثقافي بين العراق وشعوب المنطقة، خاصة الشعوب الخليجية المجاورة، والتي تاريخياً تفاعلت إيجابياً مع دعوات الإصلاح في العراق.
فبعد سقوط "صدام حسين" الحليف المتقدّم لأنظمة الخليج، واليد التي كانت تحرّكها في سبيل ضرب التجربة الإيرانية التي أسقطت النظام الملكي في إيران، وأقامت نظام جمهوري للشعب دور كبير فيه في انتخاب حكومته.
فقيام جمهورية في إيران مجاورة لجمهورية العراق وإسقاط نظام الملكية، هو ليس فقط جوار جغرافي بل جوار حضاري وثقافي ومعرفي وفكري، يمكن لتلاقحه وتبادله والاستفادة منه أن يشكل حاضنة حضارية وتجربة متقدمة في المنطقة تشجع شعوب الخليج خاصة في اقتفاء أثرها، وهو ما يهدد وجود ملكيات وإمارات وراثية في الخليج والوطن العربي.
وهو ما دفع تلك الأنظمة لتحريك نظام "صدام حسين" باسم العراق والعراقيين وبدعاوى عنصرية قومية مذهبية لافتعال حرب بين إيران والعراق، وإسقاط تجربة الثورة الشعبية وإسقاط الملكية في إيران وإقامة جمهورية محلّها، وهذا الإسقاط كان من خلال بناء جدار عازل ليس من حجر وإنما جدار عازل نفسي بين شعوب جوار إيران وإيران، منع هذا الجدار من انتقال تجربة الثورة لباقي الشعوب، نتيجة توظيف أنظمة المنطقة للتمايزات القومية والدينية بين الشعوب التي يفترض أن تشكل مورد ثراء معرفي، وظّفتها لتصبح السكين التي تفتت جسد هذه الشعوب، وتمنعها من أيّة محاولة للاستفادة المعرفية أو الثورية كتجربة في الانتقال السياسي من نظام وراثي إلى نظام جمهوري، يكون الشعب شريكاً فيه في القرار السياسي.
وسياسياً سقوط الأنظمة الديكتاتورية في أي بلد، يُعرّض البلد لمراحل انتقالية قد يكون أحدها الفوضى حتى ينبعث منها النظام، وتعود عجلة هذه الدولة للمضي في مسيرتها النهضوية لتتعافى من أثار الاستبداد، وتعيد بناء ركبها الحضاري على ضوء تجارب الحكم الديموقراطي لترسم تجربتها بما يناسب بيئتها السياسية والاجتماعية.
إلا أن العراق كان الاستثناء لهذه القاعدة، فمنذ سقوط "صدام حسين" إلى يومنا هذا يرزح العراق تحت وطأة استعمارات متغايرة، بعضها كان استعماراً عسكرياً أمريكياً، وآخر استعمارات سياسية لدول الجوار كانت الدبلوماسية الغطاء الذي يستر عورة هذا الاستعمار، فكانت البعثات الدبلوماسية لدول إقليمية تمارس دورها العبثي في العراق، هذا فضلاً عن استعمار بعنوان الفساد الذي مارسه السياسيون العراقيون، إما أولئك المعارضون الذين كانوا في الخارج، أو الذين كانوا في الداخل، فواجه العراق بعد سقوط صدام، أخطار عديدة دمّرت بنيته الثقافية والحضارية، بل دمرت إنسانية الإنسان العراقي، أهم هذه الأخطار هي:
- الاحتلال الأمريكي.
- دبلوماسية الاستعمار.
- الفساد السياسي.
- انهزام النفسية العراقية وتكيّفها السريع على كل الأوضاع دون مقاومة تغييرية.
تفرع عن هذه المخاطر مخاطر أخرى، كان أبرزها توفير بيئة خصبة حاضنة للإرهاب، ساعدت في نشوء تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".
وكان للتدخّلات الإقليمية في العراق الدور الأبرز في عدم انتقال العراق إلى الدولة المدنية، هذا فضلاً عن نظام المحاصصات الطائفية في بناء الدولة، وهو نظام يكرّس الانقسامات ولا يبني دولة.
نجاح العراق كدولة مرهون بعدة عوامل أهمها:
- تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، وهذا لا يتم إلا من خلال إرادة شعبية موحّدة.
- التفات الأحزاب إلى مصلحة العراق وشعبه، لا إلى مصلحة الحزب ومنتسبيه وزعاماته.
- التخلّص من ثقافة الترميز وتقديس الرموز، والنهوض بوعي الفرد، وتحديث فهم الفرد لذاته ومحيطه وتشابك العلاقات وتداخلها.
- تخليص الشعب من حالة الانهزام النفسي، التي تتمظهر بالرضا بما هو موجود مع فساده، فتغيير النفس قاعدة مهمة لتغيير المحيط الاجتماعي والسياسي.
- عدم السماح للتدخّلات الخارجية في تقرير مصير العراق والعراقيين، وهذا يتطلب قرار سياسي جماعي يترفع عن المصالح الشخصية وتقاطعاتها.
لو قدر للعراق أن ينجح في الانتقال من وضعه الراهن المتهالك، وبإرادة جامعة قادرة على تشكيل قاعدة انطلاق لبناء دولة مدنية قوية عادلة، فإن ذلك سيكون له الأثر الكبير في سريان حركة تغييرية شاملة في المحيط الجغرافي خاصة الجوار.
لذلك ستجتمع إرادات الجوار الجغرافي على استمرار فشل العراق، وما يمكنه فقط مواجهة هذه الإرادة الجامعة هو إرادة جامعة للعراق والعراقيين بكل أطيافهم، تواجه الفساد الداخلي من جهة، ومن جهة أخرى تواجه إرادات الخارج، وتكرّس إرادة وحدوية شاملة تنهض بالعراق من ركام الفتنة والفشل والفساد.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الجغرافيا وصناعة الحدث العراق أنموذجاً -إيمان شمس الدين Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.