أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

أترك العتاب جانباً وبارزني بالحب!


أسماء الجزائرية
كاتبة وشاعرة من الجزائر


"تساءلوا: كيف تقول
هذي بلاد لم تعد بلادي؟
فأجبت: هذا عتاب الحب للأحباب"
هكذا يوضّح الشاعر فاروق جويدة في واحدة من أجمل قصائد العتاب، فالعتاب وجه آخر ورديف للحب، يتعالى صوت العتب كلّما تعالى مدّ التقصير، إن لم تكن عاجزاً على أن تسترجعَ ما كان عليه الأمر، فلعل علامة مثل هذه ستبارز الحب بالحب، لا لقتله لكن للاطمئنان عليه، لا للتفريط فيه، بل لمحاولة إنقاذه من الضياع، ولا يحدث العتب إلا مع من نجد لهم الأعذار وإن كانت واهية، مثلهم مثل الأوطان، فما معنى أن نلومها لو لم نك يوماً غالَينا في حبّها حدّ العتب؟ ما معنى أن نشعر بالخسارة لو لا اكتشافنا - ولو متأخّرين - فداحة أن لا يكون لكَ قلب ينبض بعد أن كنت أنت قلباً نابضاً في هذه الرقعة؟
لعلّنا نطفئ بلاداً فور ينطفئ في داخلنا الحب، وربّما يرتدينا القهر لحظة نتخلّى عن عتابنا ونخرج من مبارزاتنا حاملين لحظة التراجع مرّة كهزيمة لهم وانتصار لنا، وأخرى كانتصار الخسارة مما كنّا نظنه عصيّاً عليها.
في الأمكنة العبوسة، يمكن للأمكنة أن ينقشع عنها هاجس النوم، يمكن لمن دخل الآن اللعبة أن يتجاوز الخسارة القديمة بخسارة جديدة، فالوقوع في الخسارة رجس من عمل الحب، وجحر تلدغ منه مرّتين وثلاثة، وإلا ما كان لك نصيبٌ من حظّ العاشقين، عندما يبسطك الفقد على ذراعيه تشعر أنك تكبر الآن بشكل سريع في بقعة ما تكون قد حققت فيها كل خساراتك، في الحب كما في السهر، الناجي منه هو من ينام باكراً ويتركه بعيداً عن اكتشافه، وقد يفتح الساهرين نوافذهم ويسخرون من أولئك الذين يعيشون نصف الحياة، فينزلونهم من نجاتهم تلك إلى موتهم المعاق الذي  أتى ولم يأت، فالعرج غالباً يزيد من عبء المسافة، إنه الوصول المتأخّر إلى النقطة المبتغاة، بَيدَ أن مبارزة الحب بالعتاب تشكّل الانهزام الفعلي للذي دخل حيّز التقصير مبكّراً.
 يقول أحمد شوقي: (على قدر الهوى يأتي العتاب) ليؤكّد ذلك الكم الذي يحمله من الحب، إنه المرادف الحقيقي لـ"اللانهائي"، والقدرة الحقيقية على الوفاء بمفهوم العتب، لهذا يدرك المقصّرين جريمتهم حين يبدأ الآخرون في إلقاء لومهم، ويروحون في غباء منهم آمرين في حنو "أترك العتب جانباً وبارزني بالحب"، وهم بهذا يطلبون التخلّي عن أسلحة تجعل من الحرب متوازنة، فالحروب داخل المشاعر كما الحروب في ميادين القتال، تنتهي بقتل الآخر أو جعله يستسلم، ولهذا تجد الُمقصّر غالباً يميل لعدم الاستسلام بأخذه التخلّي عن العتب كوسيلة قاهرة لخضوعه لخطئه، وبهذا تتجلّى الخسارة الحقيقية، لا في انهزام الآخر أو فوزه، بل في تشتيت مفهوم الفرصة على كبر النفس، لا يوجد في مبارزة العتب والحب فائزاً ولا خسران، يوجد أحدهم تخلّى حين كان الآخر يتمسّك، وآخر فرّط في تمسّكه لأن المقابل جعل من العتاب سلاحه، إنها مرحلة التغابي والتي يصلها الإنسان بدعم من عدم الاعتراف، هكذا يبدو أن الأمر يوشك على تجاوز المعقول باستحالة استرجاع ما كان ممكنا.
 تذكرنا قصيدة "عتاب متأخّر" لبدر شاكر السيّاب بما يحمله الشاعر تجاه الشاعر، و كيفَ بعد أن يتأخّر العتاب يصبح مطلباً مستحيلاً للرضا، الشعراء في الحقيقة والشعر عامة لا يرضى، هم يخوضون حروباً في اتجاهات البديل، وأيّ بديل ذلك عن حقيقة المجاز حين تعتلي حياة كاملة الصخب الخيالي؟ فحينما تفتح قلبك كشجيرة تبدأ في فرد أغصانها الطريّة على عالم للتو تتعرّف عليه، في هذه اللحظة يتكوّن كل شيء إلا شيء وحيد، أن تنبت معك  ذاكرة الفأس، مثلما يقتادك الطموح للتعثّر تقتادك الحياة إلى الموت ويقتادك النضوج للغواية، حينما تطل من أعالي شرفة قلبك على ما تقوده تحوم حولك العديد من الأشياء التي تقتادك.. فالتورّط في الشعر كما التورّط في الحب، حبل طويل يجرّك مدى العمر ولا تصل.. ذلك أنه في عطائه الكبير يجعل منك أبتراً، ويقيك من خطر المحطات، أنت المسافر الوحيد برتبة عاشق أو شاعر  لا يجوز أن تهبط وتجعل من مدينة ما آخرتك، فآخرتك هي أن لا تكون لكَ آخرة تضمحل فيها وتصبح كأنك الآخرين الكُثر، أنت الراكب الطويل الصبر، تحمل في قلبك تذكرة مجهولة المصير، لذلكَ يعبر العشّاق والشعراء حياتنا خالدين بما لم يحصلوا عليه وقادتهم جل حياتهم للوفاء لما يحصل عليه الزائلون من الذاكرة.. فينتصر العتب شعراً، والشعر ينصر العُشّاق.
يتصوّر أحدنا وهو يقع بين  أحضان الحياة أنه حقق القدوم إليها، وهذا سيجعلها في متناوله، ومن هنا لن يعود للأرحام مرّة ثانية، متناسياً أن البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمّهاتهم، وإنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانية ولمرّات عديدة كما قال "غابريل ماركيز"، لذلكَ قد يولد البعض وهم مكتفين تماماً من أن ينجبوا حياتهم مادامت الحياة أنجبتهم، يركنون تطلّعاتهم بعيداً، وتمضي بهم أيادي الحياة بما هو مشيّد، حتى إن قادهم الحب فإنهم أولئك الذين تستعيدهم أرحامه لا تضعه بأيّ شهر من التجربة، ولادته هي رحم الرحم، ولا يستطيع العُشّاق أن يكون الظلام حليفهم، هم أبناء النور، لذلك تصطادهم أعين الفشل بسهولة، هم أبناء الغياب والأوقات المضافة، وحلهم في الخسارة دائماً المزيد من ترك الحب على صلة مع العتاب، فكل شيء يمضي معنا ونستشعره يقتل الوقت، ولطالما لم يستطع الوقت قتل الحب، بقدر ما اغتال المتحابّين، هو أكوام  مما نريد تكبر، فكلّما لم يحصل عليها أحدنا، تعثّر بهوّة الاستحالة وأصبح شاعر بفوارق الفقد والعجز، فالمبارزة هنا تكون لصالح من تخلّى عن العتب مبكّراً، وأوصد في وجه الحب والشعر العديد من الأبواب.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: أترك العتاب جانباً وبارزني بالحب! Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.