أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

تقــوى الــدم، شهادةٌ للعصــر، وبوابــةٌ للنصرعاشوراء أنموذجاً - أسامة العتابي


عاشوراءُ ليست مهرجاناً طقوسياً أو فلكورياً، إنّما هي تضحيةُ الناقدِ من أجلِ النقد البنّاء، وتضحيةُ الإنسان الحُرّ من أجل الحُريّة. في عاشوراء لا نتعرّف على الله سبحانه وتعالى، ومعنى التوحيد الحقيقي فحسب، بل نتعرّف إلى الذاتِ الإنسانيّة، وبواطنِها الوجدانيّة السامية. عاشوراء هي تقوى العبور، عبورِاحتباساتِ اللغةِ والتأريخِ، والسياسة، والمجتمع، التي تراكمت على الحقيقة الدينيّة.
عاشوراء هي نزعٌ للأقنعة كافة، وللمصالحِ كافة، التي تتخفّى الأفرادُ والجماعات خلفها، إذْ أنّ الإنسان عندما يحصل على إيمانٍ دينيٍّ فإنّه يجد نفسَه مضطّراً إلى التحرّك بحركة نقديّة، وبديهي أنّ هذا النقد ليس من النوع الفلسفي، ولكنه على أيّ حال نوعٌ من النقد فالشخص الذي يعيش الاهتمام الإيمانيّ ويسعى؛ لحفظِ هذا الاهتمام فإنّه ينبغي عليه اجتنابُ الكثيرٍ من أشكالِ التوقّف. ومنها: التوقّفُ في القضايا العقائدية، أو الحالة الجزمية في هذه القضايا، فلو ألقينا نظرةً إلى حالات الأشخاص الذين عاشوا تجربةً إيمانيّةً واستمعوا للخطاب الإلهي، لرأينا أنّ هؤلاء الأشخاص يعيشون دائماً في حالة عبور، أي عبور من كل قضية، ومسألة بمفهومها النظريّ إلى الموجوداتِ، والحوادثِ الواقعةِ في حركةِ الحياة؛ فإنَّ أصحابَ التجربة، وأصحابَ سماع الخطاب يتحركونَ دائماً للتخلّص من القيود، والسجون المختلفة من قَبيل، التاريخ والمجتمع، الزمان، اللغة، و.... هؤلاء يدّعون أنّ هذا الخطاب مُقدّسٌ، ومتعالٍ وليس من سنخِ الخطابِ البشري، ولكنّهم في الوقتِ ذاتِه يشعرون بأنّ هذا الخطاب قد جاء إليهم من وراء حدود اللغة، والتأريخ والمجتمع وقوى الحسّ، ومن أجل مواجهة هذا الخطاب وتحصيله؛ فلا سبيل لديهم إلاّ أنْ يصُبَّ هذا الخطاب في هذا الظرف البشريِّ المُحدّد. فالإنسان الذي يعيش هذه الحالة الوجودية دائماً يُريد تحطيمَ جدرانِ السجن أو على  تعبير جلال الدين الرومي يُريد العروجَ إلى السماء بهذه السلالم، ومثل هذا الشخص يتعامل مع العقائد والإيمان بروح النقد، ويكون نقّاداً، أي لا يقبل بأيِّ شيءٍ ولا يتوقّف بأيِّ مكان، وعندما يصل إلى أيِّ مقام يقول: إنّ هذا المقام ليس هو الأصل والغاية ، بل يجب عليَّ أن أواصل المسير وأتجاوز هذا المقام.
لقد كان الإمامُ الحُسين – عليه السّلام – يحاور الأعداء ويُخيّر الأنصار منذ خروجه من المدينة وحتى ليلة العاشر من شهر محرمٍ الحرام ، ثمّة لغة حوار متواصل، لا يوجد هناك قهر للآراء، فالدين والإنتماء والولاء في مدرسة أهل البيت – عليهم السلام – مرتبط بأدب القرآن الكريم، على تبنّي لغة الحوار، فكان النقد مفتوح بجميع أبوابه.
فقبل أنْ تتعرّف الإنسانية على نتاجات "فولتير" و"جون لوك" و"فلسفة الأنوار"، فإن الإمامَ الحسين – عليه السّلام – قد خيّر أصحابَه أنْ يتركوه أو أنهم سوف يتم إبادتهم جميعاً، وهو سلوك قيادي لم تصل إليه فلسفة الإنسانية حتى يومنا هذا. فالدين بهذه الصياغة يخرج عن كونه "وجع الروح " كما يقول "هيجل" إلى منزلة السلام الداخلي للكائن البشري وشحن طاقة الإبداع فيه لإعادة رسم المصير والمستقبل.
فقضيةُ عاشوراء هي قضيةُ الإسلام، وليست قضيةَ مذهبٍ فقط، كما أنّها إحياءٌ لمقاصدِ القرآن وليستْ تأسيساً لطائفةٍ معيّنة. عاشوراء هي إعادةٌ للفكرِ الإسلاميِّ بصبغتهِ الإنسانيّةِ المُتعاليةِ فوقَ المذاهب، والاختلافات، حيثُ تـَتِمُّ إعانةُ الإنسان، أيــّــاً كانَ نوعُه؛ فمبدأُ رفع الظُلمِ وقُبحِ الفساد لا يختصُّ بانتماءٍ مذهبيٍّ، أو سياسيٍّ، إنما هي مبادئُ أساسية في الفكر الإسلامي بصبغتِه المحمّدية الأولى، وثورةُ الحُسين ثورةٌ إسلامية وفكرٌ إسلاميّ، ومن كونها كذلك، فهي من إسلام القرن الأوّل الطاهر البهيّ، الإسلام الإنساني الذي يختصُّ بالناس جميعاً حتى غير المسلمين، ويريد أن يقرّ العدالة والكرامة والحُرية للناس جميعاً حتى لغير المسلمين.
تقوى الدم وتأسيسات الوعي الثوري
إن تقوى دمِ الحسين – عليه السلام - هي تلك التقوى التي تؤسّسُ الوعيَ الثوريَّ للمُجتمع وتُبيّنُ لنا بأنَّ الإمامَ الحسين – عليه السلام – قد قدّم بياناً ثورياً، وميزانَ عملٍ حينما حدّد بمقولتِه (مثلي لا يُباعُ مثلَه)، ليُثبتَ بأنّ القضيةَ ليست قضيةً شخصية بين الحسين بن علي ويزيد بن معاوية، إنما القضية بين خطّين ومنهجين؛ لذا عبّر الإمامُ بمفردةِ (المِثل)؛ فإذا كان الإسلام السياسي قائمٌ على فكرة البيعة للخليفة بعدِّهِ أُنموذجَ الإسلام الذي يجبُ أن يُفتدى من لدُنِ الأمة المسلمة، فإنّ ثورةَ الإمام الحسين – عليه السلام – بيّنت لنا زيفَ هذا الخليفة، وأنّ البيعة له ما هي إلاّ بيعةٌ للشيطان التي يجب على الأمّة أن تجهدَ في الندم كَعَتبةٍ لدرب تغيير الشخصية وعودة روح اليقضة.
وعندما يكتشفُ الإنسان المسلم أنّ بيعة نفسه لخليفةٍ غيرِ أمينٍ على جوهرِ دينِه كلّفه التفريطَ بعقيدتِه، وبيع نفسه للباطل الذي يمثّله هذا الخليفة، وبالتالي كسَبَ غضبَ الله جرّاء عصيانه؛ فإنّه يحتقرُ نفسَه ويزدري قلّة تعقّله حينما بايعَ هكذا خليفة، ويتحرّك ضميرُه ويتفاعل إحساسه بازدراء نفسه ولومها؛ فيثور؛ ويحطّم أصنامَه، ويموت دون مبدئة راضياً مؤمناً. وبدءاً من فريضة الندم ثم مراجعة النفس والوقوف على حقيقتها وحقيقة الأمور والظروف التي دوّمتها في دوامتها، وتبيان الحقيقة الساطعة مروراً بفترة المراجعة وكمون الأفكار والانفعالات، ونجاحها في تحويل صاحبها من إنسان خامل بلا عقيدة، إلى إنسان ديناميكي مُعبّأ بالمبادئ، فضلاً عن تحرّك الظروف خارج نفس الإنسان وتفاعلها في نَواحٍ أخرى بما يدعم مبدأه الجديد، وعقيدته المستيقظة؛ فكلّ ذلك يزيد من تصميمه على استمرارية الاستسلام لهتافه الداخلي الذي يقوده إلى دروب لم يكن يحلم بالمسير بها، ويفتح أمام بصيرته مغاليق كانت كالسدّ في وجهه، فيندفع بإيحاءٍ من فقدان ثقتِه بما كان، وانسجاماً مع هتافِه الداخليّ ورغبةً منه في تغيير الأوضاع، إلى الثورة والتحطيم واقتلاع كلّ زيف من جذوره. وشهادة الحسين – عليه السلام – في كربلاء وما تلاها من حوادث السبي، نجحتْ في إيصال الإنسانِ المسلم إلى بدءِ رحلةِ الألفِ ميلٍ نحوَ تحرّره، وتمكينِ جذورِ عقيدتِه في نفسِه بخطوةٍ واحدة.
وبهذا تكونُ تقوى دمِ الحسينِ– عليه السلام – عبارةً عن تمرُّدٍ للطهارةِ الروحية، وتعبيرٍ عن ضميرِ الأديان، والجوهر التوحيدي للأديان السماوية كافّة؛ فالحسينُ قضيةٌ ليست إسلاميةً فحسب، إنّما هي دينيةٌ إنسانية.
ومن هنا نجد لها إشاراتٍ، وتصريحاتٍ في كتبِ التاريخ القديمِ، والنصوص الدينية الكبرى؛ فقد أيقظَ الحسين – عليه السلام – ضميرَ الأمة النائم ، ورَجْرَجَ حالةَ الخنوع، والكسل، وحبّ السلامة، ولهذا لم يكن الإمامُ الحُسين – عليه السّلام – رجلَ السيفِ والثورةِ فقط، بل كان رجلَ الحِوارِ والموعظةِ، والتفاوضِ للحلِّ السلميِّ أولاً، وهذا ما تشهدُ به حواراتُه مع والي المدينة، وعند لقاءِ الحُرِّ الرياحيِّ، وكذلك مع الجيش المعادي وابن سعد؛ فقد كان الإمامُ الحسين رجلَ الإصرار على الحوار حتى الساعات الأخيرةِ من حياتِه المُقدّسة.
بهذا تخرج النهضةُ الحُسينية من كونها حدثاً في الماضي إلى جزءٍ من ثقافةِ الوعي بالمستقبل، فهي ليست مجرد حدثٍ تأريخي، وليست مجرد فعلٍ ماضٍ حدث وانقضى واستنفد دلالاته وأغراضه، وإنما هي فعل للمستقبل، وإنْ ارتكزَ على أسبابٍ، وعواملَ تأريخية؛ فالفعل الحُسيني هو فعلُ ثورةٍ روحيّة، أخذ على (عاتقه مصيرَ الروح الإسلامية) ومصير العدالة معاً، ولذا كان فعلاً (ميتا تأريخي) بما هو وقود كل تاريخ أخذ على عاتقه مصير الروح، وبما هو فعل خصب بالحياة، وبقوّة العدالة، يختلج ضميره بكل مطامح السمو والعلاء، روحيٌ هائلٌ، تصاعد فيه قواه، متدفّقة، حادة متوثبة، خالقة تُبدع في كلّ طَور من أطوارِ هذا التصاعدِ صوراً للوجود خصبة سامية، وقيماً للحياة جليلة عاليةً: في الإيمان بها، إيماناً بإمكانِ خَلقِ إنسانيةٍ عظيمةٍ يكون في تحقيقها تحقيقاً لأمثلِ حضورٍ حضاريّ في الحياة، من هنا كان (كلّ يومٍ عاشوراء، وكلّ أرضٍ كربلاء)؛ فالفعلُ العاشورائيّ يتقمّصُ في حضورِه كلَّ زمانٍ، ومكان ويتلوّنُ مع كلّ زمانٍ، ومكان؛ ليأخُذَ منه قضاياه وتحديّاتِه، وأسئلتِه، ويُجيبُ عليها الجوابَ المناسب.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: تقــوى الــدم، شهادةٌ للعصــر، وبوابــةٌ للنصرعاشوراء أنموذجاً - أسامة العتابي Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.