أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

في الطريق إلى الوطن!-إياد محسن



عند سيطرة التفتيش, وحين أوقف الجندي السيارة التي كانت تقلّني ومجموعة من الركاب, غمرتني السعادة وأنا أشاهد رجل القانون يحاسب السائق عن وقوفه في منطقة غير مخصّصة للوقوف, وحين طالبه بــ"سنويّة" السيّارة لفرض غرامة عن مخالفة قانونية, لم أتدخّل كما فعل غيري, فلا داعي للتأثير على رجل يؤدّي واجبه بكامل الثقة.
ترجّل السائق وهو واثق أيضاً من انه سيسوّي الأمر ويأتي بأوراقه الرسمية، وفعلا نجح في ذلك بعد أن دفع رشوة قيمتها خمسة آلاف دينار فقط, ليس ذلك فحسب، بل أخبرنا أن ذلك الجندي يكرّر الفعل مع أغلب سائقي السيارات التي تمرّ من نقطة التفتيش.
في العراق.. خمسة آلاف دينار تكفي لتشتري بها ذمّة رجل يمثّل القانون, وضعت به الدولة كامل ثقتها، وأنفقت عليه ما أنفقت من رواتب وأرزاق ودورات تدريبية وتثقيفية. وربّما كان طريق الخمسة آلاف دينار, الطريق السهل والسالك لحصد أرواح آلاف الأبرياء, من خلال ما يحدث من خروقات أمنية, إذ تستطيع بابتسامة صغيرة, مصحوبة بورقة مالية من أية فئة, أن تمرّر سيارة مفخّخة لتصل بالموت الذي تحمله, لأقرب سوق أو ساحة للعب الأطفال, وتحيل من فيها إلى مجموعة من الأشلاء المتناثرة, فالخمسة آلاف دينار التي يضعها ذلك المرتشي في جيبه، ربّما تساوي طفل يتيم, وامرأة أرملة, وعائلة تعيش في ألم وبؤس مدى الحياة.
ما يقوم به ذلك الجندي، يمثّل جريمة رشوة بكامل أركانها، وهو يمارسها يومياً وعلى مدار الساعة. فهل يدرك خطورة ما يأتيه من أفعال وما يترتّب عليها من نتائج؟ هل يشعر بتأنيب ضمير وهو يربّي أطفاله؟ ماذا سيقول لهم حين تصل الحكاية إلى النزاهة وبيع الضمير؟
اعتقد انه وأمثاله لا يقدمون على هذه الجرائم إلا وهم مطمئنون إن أحد لا يسائلهم، فهم بعيدون عن رقابة دوائر النزاهة، وأجهزة الاستخبارات التابعة للمؤسسات التي يعملون بها, والمسؤولة عن كشف مثل هذه الجرائم وإحالة مرتكبيها إلى المحاكم المختصّة, فالدولة العراقية, بسلطاتها التنفيذية والتشريعية، في حالة استنفار قصوى لمعالجة الملفّات الأمنية الساخنة, وهي فرصة للمتصيّدين في الماء العكر للتنفيس عن إمراضهم وفسادهم في جو من الفوضى وعدم الرقابة، ما دامت الدولة منهمكة ومنهكة ومشغولة عن الالتفات لمحاسبتهم.
مثل هذا المرتشي يوجد آلاف في دوائر الدولة ومؤسساتها, بشراء ضمائرهم يتكبّد الوطن ما يتكبّده من خسائر تعيقه عن اللحاق بركب الأوطان المتقدّمة.
في دوائر الضريبة, والتسجيل العقاري, والمرور, والصحة, والتربية, والتعليم, والجيش, والشرطة, والرعاية الاجتماعية.. إلخ، يوجد بعض من مصّاصي دماء الشعب، خبراء وروّاد عمليّات الابتزاز والرشوة، فمن يستطيع أن ينجز إجراء في معاملة دون أن يمرّ في سكّة قطارهم, ويدفع فاتورة الحصول على استحقاقه كمواطن؟!
في الطريق إلى بناء الوطن، سنجد مطبّات وحواجز، فقد يسهل رفع حاجز الطائفية، ومعالجة مطبّ الأمن، وتحقيق تقدّم في ملفّ الكهرباء. لكننا سنقف كثيراً عند ملفّ الفساد، وربّما تنهار قِوانا ونحن نعالج قضية تتعلّق ببناء الذات التي أفسدها الزمن. وقد تنفذ أسلحتنا ونخسر جولات كثير في معركة بناء الإنسان، حتى يصيبنا الإحباط والملل ونفكّر بالاستسلام كما يحدث الآن، بعد أن علا صوت الفساد على جميع الأصوات.
يحكى إن شرقياً صادق فتاة في بلد أوربي، وقد تفاجأ حين أبلغت عنه لعدم إلتزامه بالإشارة المرورية, فراح يعاتبها لتسبّبها في تغريمه مالياً, على الرغم من سنين الصداقة وعلى الرغم من إن وقت ارتكاب المخالفة كان بعد منتصف الليل حين كانت الشوارع فارغة، فأجابته قائلة: إن ما بينا من علاقة شخصية شيء، وواجبي إزاء وطني شيء آخر, فأمام الوطن تتلاشى المصالح والمشاعر الشخصية.
 أما هنا في العراق.. فالوطن ينهار ألف مرّة أمام ابسط المصالح الشخصية.
*كاتب وخبير قانوني

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: في الطريق إلى الوطن!-إياد محسن Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.