أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

أقدارهم - انتصار السراي


بين كربلاء وبغداد، ثمّة مساحة شاسعة من الزمن، باستطاعتك التمعُّن بما يدور حولك، وأنت تقطع كل تلك الكيلومترات، لفت انتباهي تكدّس مجموعة من الشباب في مقتبل العمر، يفوق عددهم العشرة بين جالس وواقف، هناك من غلبه النعاس منهم، فتطوّع أحد أصدقائه لمسكه بكلتا يديه كي لا يسقط من (بدي) السيارة التي رجعت محمّلة بهم من أحدى مدن الموت، ومنهم من استسلم للنوم غير مكترث بما يحدث، وآخرون تبادلوا أماكنهم الضيقة، بابتسامة وهمسات، بدت وكأنها جواباً للمتطفّلين، الراكبين والراجلين. أنا على يقين بأنهم زفروا ألماً وحسرة عليهم، كما كنت الأكثر فضولاً في  تفرّس حالهم، حيث التعب، والنعاس وربما حاجتهم الماسة للطعام، والاستحمام أو الشوق للوالدين أو الزوجة والأطفال، أبرز ما تحكيه عيونهم.
في الجهة الأخرى من الطريق، كانت جحافل القوات الأمنية والعسكرية المكتظّة بالشباب، تتسارع إلى تلك المدن الموحشة والتي لا تخلّف في نفوس روّادها سوى العاهة أو الموت! وما بين فجائع الجانبين، ترتفع عيناي لصور معلّقة لشهداء على طول الطريق، ببزتهم العسكرية، بعضهم تقلّد أعلى الرتب، أتفحّصهم  جيداً، أجزم بعشقهم الحياة، لكنها لفظتهم إلى يد المنون التي كانت الحد الفاصل لأمنيات كثيرة خلّفوها ورائهم. ثم تقفز إلى مخيلتي ترنيمة الفاقدات، ونحيبهن ما أن تلوح لهنّ أطراف الغري (الولد يا محبس يميني....)، وتوسدهن قبور فلذاتهن حَدّ المبيت في ظلمة المقابر ودهاليزها المرعبة. فترسم لوحة مجرّدة من الرغبة في العيش بعدهم.
هذه صورة من آلاف الصور التي تتمثّل بها حياة الشاب العراقي، غدت الشهادة له، العزاء المواسي الذي يسير إليه قبل أن يقدم عليه الموت طواعية، ويحيله إلى ذكرى.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: أقدارهم - انتصار السراي Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.