أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

اللّهم تقبّل مِنّا هذا القربان القليل


الإرشاد والتوجيه الديني لــ(سرايا السلام)




هذا الدعاء الذي تقدّمت به السيدة زينب (عليها السلام) واضعة يديها تحت جسد الحسين (عليه السلام) لتناجي الله راجية قبول هذا العطاء, العطاء الذي سيفيض على المعمورة بالخير والإحسان، ولسبب فعل زينب ومعنى قولها سنعتمد على كلام السيد الشهيد الصدر (قُدّس سرّه) في كتابيه (شذرات من فلسفة تاريخ الإمام الحسين)و(أضواء على ثورة الحسين).
قد يسأل سائل أن زينب قالت: (تقبّل مِنّا)، مع أن الذي قَدّم التضحية هو الحسين "عليه السلام" لا هي، فكيف تقول (مِنّا) وتشير إلى جسد الحسين؟
والجواب هو:
إن أيّة تضحية مهمّة لها ثلاث مستويات، أما بلحاظ من تَحَمّلَ ألم الجراح والذبح والقتل على هذا الجسد، أو بلحاظ التضحية بما قدّموه من مساعٍ لهذا الجسد، أو بلحاظ الموافقة الجسدية مع القربان وسنأتي لها تباعاً:
الأول: التضحية بلحاظ التحمُّل المباشر لألم الجراح والطعن والذبح وضعف القوى وقطع الأعضاء، وهذا لا يكون إلا للحسين "عليه السلام" فلم تشترك به زينب "عليها السلام" ولم تكن تقصده بقولها (مِنّا)، ولهذا قال السيد الشهيد في سفره العظيم (أضواء على ثورة الحسين) التضحية بمعنى تحمّل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعية. وهذا المستوى خاص بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره.
الثاني: التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية، وهو القربان الإلهي, أنه مشترك معه بجزء من الجهد والعناء في سبيل وصوله لهذا المكان الذي أصبح فيما بعد مكاناً لتقديم القربان وكذلك التضحية بالعلقة الرابطة بينه وبين القربان وزينب ضحّت بعلقتين، الأولى علقة الإمام المفترض الطاعة ووجوده المبارك وهذا يدركه أي إنسان مؤمن ويتأذّى له، فكيف إذا كان الفاقد زينب عليها السلام والمفقود الحسين "عليهما السلام", عَلِم الله أي أذىً قدّمته زينب بتقديمها القربان الطاهر. والعلقة الأخرى علقة الإخوّة وأيُّ أخ, فهو يختلف عن كل الأخوة بأبي وأمي، فهو الحسين "عليه السلام"، وبهذا فيحقُّ لها قول (مِنّا) وتتبنّى تقديم القربان، ولهذا يقول السيد الشهيد الصدر: (التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية بكل ما يمكن من جهدٍ وجهاد، وتحمّل كل بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمّل فراقه كشخصٍ محبوب أسرياً ودينياً واجتماعياً، وتحمّل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه).
وهذا المستوى خاص بمن كان مع الحسين "عليه السلام" من الركب المعاون له في الحياة والموافق له في الأهداف. فإنهم رجالاً ونساءً وشيباً وشبّاناً، أتعبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحمّلوا شظف العيش وبلاء الدنيا لأجل رضاه الذي يكون سبباً لرضاء الله عزَّ وجل. كما قال (رضا الله رضانا أهل البيت)، ومن هذه الناحية وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم. فكأنهم هم الذين رفعوا الحسين "عليه السلام" قرباناً لله عزّ وجل.
ولا شك أن العقيلة زينب ابنة علي "عليهما السلام" من ذلك الركب المضحّي في سبيل الحسين "عليه السلام"، ولعلّها أهم النساء الموجودات فيه على الإطلاق، ومن هنا صح لها أن تدعو وتقول: (اللهم تقبل منّا هذا القربان).
الثالث: بلحاظ أن المقدّم يشعر بأنه مندكّ وكأنه يرى نفسه متّحد مع القربان، لأنه شريك معه في تقديم مقدّمات الثورة ومشترك معه في الهدف، وهو ما يطلق عليه السيد الشهيد الصدر بـ(الموافقة النفسية) مع الحسين "عليه السلام" ولهذا يقول السيد الشهيد (قُدّس سرّه):
(الموافقة مع الحسين "عليه السلام" نفسياً وقلبياً وعاطفياً، وبالتالي الموافقة الحقيقية على عمل الحسين وتضحيته، وعلى هدف الحسين ورسالته. حتى أن الفرد المحبّ له يحس كأنه أعطى قطعة من قلبه أو كَبده، وأنها قُتِلَت فعلاً بمقتل الحسين).
وأنه - أعني المُحبّ - وإن كان حيّاً يرزق في هذه الدنيا وفي كل جيل، إلا أن التضحية تضحيته والعمل عمله، يكفينا من ذلك ما ورد: (إنما الأعمال بالنيات) و(نيّة المؤمن خيرٌ من عمله] وما وَرَدَ من أن (الراضي بفعل قوم كفاعله) و (إن الفرد يحشر مع من يُحبّ)، إلى غير ذلك من المضامين التي تجعل التضحية التي قام بها الحسين "عليه السلام"، منتشرة فعلاً لدى كل محبّيه والمتعاطفين معه على مدى الأجيال، وأن كل واحد منهم يستطيع أن يقول: (اللهم تقبّل مِنّا هذا القربان)، وليس العقيلة زينب فقط.
ووفق هذا اللحاظ الأخير (الموافقة النفسية) بإمكان الفرد أن يدعو الله بأن يتقبّل هذا القربان الإلهي، وذلك باتحاد الفرد مع ثورة الحسين بالهدف والسعي لتحقيق ما أرادت الثورة تحقيقه، والابتعاد عَمّن حاربته الثورة الحسينية وأرادت الخلاص منه.
أما وصف زينب "عليها السلام" جسد الحسين "عليه السلام" بـ(القربان القليل), هي أنه تدرك بأن أي عمل قليل بالقياس إلى الله جلَّ وعلا وعظمته وارتفاع شانه ووجوده اللامتناهي, وأن أي بذل إلى من ترجع إليه جميع الأسباب، فهو قليل ومتواضع بالقياس له، ولهذا يقول السيد الشهيد الصدر (قُدّس سرّه): (إدراك زينب لحقيقة الموقف، أي إدراكها لنسبة شهادة الحسين "عليه السلام"  إلى الله تعالى، وإلى عظمته وارتفاع شأنه وكونه الوجود اللامتناهي. فإذا أدركت الجانب الرئيسي من العظمة الإلهية، والأهمية الإلهية، ستكون حادثة الطف بكل تفاصيلها بما فيها شهادة الحسين "عليه السلام" بصفته إماماً مفترض الطاعة ومعصوماً وابن رسول الله "صلّى الله عليه وآله"، أمراً يسيراً وهيّناً بإزاء العظمة اللامتناهية للخالق سبحانه وتعالى. لأن مصرع الحسين "عليه السلام" مهما كان عظيماً  فهو محدود والمحدود إذا نسب إلى اللامحدود يكون صفراً).
وهذا مدعاة لنا جميعاً بإدراك أن أي عمل نقدّمه مهما كان كبيراً ومعطاءً وله أهمية في الدنيا والآخرة، فهو مُقدّم بوسائل خلقها الله وأسباب أوردها الخالق جلّ جلاله، وبالتالي يكون ذلك العمل قليلاً، بل صفر بالقياس مع عظمة الله, وهذا ما حصل مع الحسين وآل الحسين (عليهم السلام)، فمع عظمة الثورة الحسينية وما قدّمته للبشرية جمعاء وعظمة الحسين الإمام المفترض الطاعة وجسده الطاهر، لكن عند تقديمه إلى الباري جلّ وعلا، فانه يكون قليلاً أمام الله وعظمته وكبريائه, فكيف بالآخرين الذين لا عصمة لهم.
لذا، فإن ما يُقدّمه الأبطال في ساحات القتال وهم يواجهون عصابات داعش الإرهابية، هو قليل أمام الله تبارك وتعالى، ولهم أسوة بالإمام الحسين "عليه السلام" الذي قدّم كل ما يملك، بل قدّم خير البنين من أجل محاربة الفساد وإحقاق الحق، ومن أجل أن يخطّ لنا طريق التحرّر والخلاص.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: اللّهم تقبّل مِنّا هذا القربان القليل Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.