أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

نقطة انطلاق - ضياء البناء


وفقاً للرسالات السماويّـة الصحيحة غير المحرّفــة، مهمـة الإنسان هي أن يصنع من نفسه نبيّاً. فالاستعداد مغروس في فطرته، والعلامات موزّعـة علـى طول طريقه، والنماذج الأصليّة مكنونة فــي لبّه، والبرامج الصحيحة مُنصبّة فــي قلبه. وساحة العمل الحقيقية هـي فؤاده، وجميع حواسه أدواته.
الرسل وظيفتهم (إثارة) مكنوناته ومساعدته على تلمس الطريق إلى ضفّة نجاته.
بعضنا يبدأ مشواره مــن الصفر حيث الاستعداد كاملاً، والفطرة نقيّة واللب شغّالاً والقلب سليماً معافى.. وبعضنا يتسلّم المهمّة بعد خراب متفاوت، بعضه في أصل الاستعداد، وبعضه في بيئة العمل ومعطياتها الأوليّة.
ليس مهمّاً كم يحرز الإنسان من مسافة على الدرب، المهمّ هو أن يظل محافظاً على وجهته الصحيحة، وأن يتقدّم بنسبة وتناسب مع ما توفر له فعلاً، عند انطلاقته الأولى.
ومن يدري، فربما تقتصر مهمّة البعض، ونظراً إلى النقطة التي ولد فيها، على مجرّد أن يعود بنفسه إلى حيث نقطة الصفر التي انطلق منها غيره. فمن يوضع علـى سفح جبل ثم يبلغ قمته، ليس كمن يدفن في قعر الوادي ثم يخرج فيتناوش في آخر مطافه، أول السفح.
**
بذرة سوء
الأصل في سلوك الإنسان هو الخير، إذ لم يخرج أحد من بطن أمّه حاملاً سكيناً بيده، لكن التربية الأوليّة من تفتح فــــــــي صدر الإنسان أبواباً، وتغلق أخرى ليأتي الشر مـــن الشارع، بحثاً عن مدخل يناسبه، وبذرة سوء تلائمه.

**
جراحة فوق الكبرى
النفس البشرية تشبه طبيب جرّاح فـــــي صالة عمليّات، إلّا أن المصاب هو نفسه، والمعلومات الصحيحــــة التي يمتلكها، تشبه المصباح بيده، أما التي يحتاجها ولا يعرفها، فهي كمساحة مـــن العتمة تفرض نفسها على أطراف (سرير العمليّة)، مهدّدة بغشيها جميعها، وأما المعلومات الخاطئة التي يتورّط البعض باكتسابها، فإنها مواد سُمّيّة معبّأة بإحكام في قناني العقاقير التي تتطلّبها العمليّة.
**
معارك الأفكار
يقلّل الكثيرون من أهميّة الكلمة في ظل الأزمات والدمار الذي تشهده حياتنا الراهنة، وعادةً ما يتوجّه بعضهم بالنقد لكل من يتناول الأمور فكريّاً فــي محاولة للتصحيح أو السيطرة أو حتى المواجهة مع الخصوم.
بينما الإنسـان لا يتحرّك إلّا بدافع أفكار يؤمن بها، وهذه الأفكار إن كانت صحيحــة أو خاطئة، تترجم عمليّاً بهيئة سلوك تترتّب عليه النتائج التي نتجرّعها الآن.
فالمعركة الحقيقيّة هي معركة أفكار، قبل أن يترجمها البعض إلى معارك بالحديد أو الحجارة أو النار.
**
مزاج حصان!
الأمم الواعية تضع لنفسها أهدافاً بعيدة، وأخرى قريبــة، ثمّ تخطّط لبلوغها، فترسم طرقاً وتعدّ برامج، كما لو أنها مهندس مدني يصمّم خارطة منشأة أو سكك قطارات، ويكون الرئيس فــــــــي هذه الأمم، كمثل قائد القاطرة، يسير وفقاً لما تمّ التخطيط له مسبقاً، وتبعاً للمسارات المحدّدة.
أما الأمم المتخلّفة، فإنها تتبع سياسة الأرض المفتوحـــة، والرئيس فيها فارسٌ يمتطـــي صهوةَ جواده، يسير بحسب متغيّرات الأرض أو مزاجــــه، وأحياناً بحسب مزاج حصانه!
**
حماية الحياة
الناس لا يحبّون الحياة بشكل حقيقــي، كما أنهم لا يكرهونها فعلاً، بل أكثرهم مذبذب يعجز عــن أن يحدّد طبيعة علاقته بها.
من يحبّ الحياة يقاتل حتى الموت من أجل الحفاظ عليها، ومن يكرهها فعلاً، لا يأبه للموت دفاعاً عن كرامته حين يحاول أحد انتزاعها.
شعـار الأحرار "الموت ولا العار"، وإذا اضطرّوا إلى القتال، فليس مـــن أجل قتل الآخرين، بل من أجل حماية الحياة من الموت.
**
اتجاهات ومديات
الناس مــــن حيث بعد واتجاه نظرتهم إلـــــــى الحياة، أربعة:
الأول يركّز نظره عكسيّاً، فهو عالق فــــي منطقة زمنيّة ماضية. والثانــي: شاخص بصره نحو المستقبل المجهول. والثالث ينظر تحت قدميه. والرابع ينظر بزاوية 360 درجة يحمل فـــي ذهنه الماضي، ويستشرف الآتي ويعيش يومه على أتمّ وجه ويحسب حساباً كاملاً لغده.
**
تشريح معرفي هام جداً
ما يجري لنا في دواخلنا هو فـــــي الحقيقة صراع بين أجسامنا وقلوبنا، ونحن نقف فـي المنتصف، بعضنا يوفق للتوفيق بينهما ومصالحتهما مع بعض، وبعضنا يرجّح كفّة أحدهما علــــى الآخر، وبعضنا يستمر مذبذباً بين هذا وذاك.
القلب وهو الغدة النخاميــة التي فـــــي الدماغ، هو عضو صغير بحجمه، إلّا أنـــه كبير بمكنونه وقيمته، فهو مركز نظام الفطرة وموضع الذاكرة الكونيـّة التي اختزل فيها كل تجربة الإنسان منذ نشأته على الأرض، والقلب أيضا هو المسؤول عن إدارة الجسم لا إراديّاً ومسؤول أيضاً عـــــن العقل بوصفه نشاطاً ذهنيّاً يجري في ساحة الفؤاد. ومهمّته الرئيسيّة هــــي ربط قرارات النفس بذاكرة القلب (اللبّ)، حيث نماذج التكوين الأوليّة الصحيحة.
كل الصراع يدور فــــي ساحــة الفؤاد، وهو أما المخيخ أو الغدة الصنوبرية، لست متأكّداً حتى الآن، وسبب الصراع، هو أن القلب يريد للنفس أن تُشكّل ذاتها وفقاً لنماذجه المتوافقة مع إجمالي معطيات الكون، أي أنــه يريد لها أن تكون كونيّة.
بينما يهتمّ الجسم لتلبية احتياجاته الأرضيّة ويضغط على النفس بقوّة، وضغوط الجسم التي يبثّها في ساحة الفؤاد، هي من يُسمّى دينيّاً بــ"الهوى". النفس تريد أن تتمتّع بالسيطرة والتحكّم، وتزداد انتشاءً كلّما اتخذت قراراً بمحض إرادتها.
وللنفس ذاكرة خاصة بها تملأها بالمعلومات العامـــة والتجارب ونماذج متنوّعة لقرارات وأحكام وأطر تستخدمها كل لحظة، لتبت في تنازع القلب والجسم.. النفس تريد أن تكون أفضل وهي تقوم ببناء ذاتها بشكل متواصل، إلّا أنها تفقد الكثير من وقتها في فض النزاع بين القلب والجسم، فالقلب ينصحها بأمر والجسم مستعيناً بذاكرتها الشخصيّة، يأمرها بشيء آخر.
القلب يريد لها أن تسمو، والجسم يريد لهـــــا أن تدنو، القلب يذكرها، والجسم يضلّلها عــــن نصائح القلب ويشغلها بكل ما أوتي من قوّة كي تظل تلبّي طلباته.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: نقطة انطلاق - ضياء البناء Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.