أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

الجهل المركب والحكم المسبق على الآخرين - محمد علي جواد تقي




مع التطوّر الصاروخي في تقنيات الاتصال المجاني عبر العالم، يمكن القول أن التسرّع في إصدار الأحكام، وهو المعضلة الأخلاقية المزمنة والقديمة، وجد الأجواء الاستثنائية للنمو والانتشار، بحيث بات من الصعب جداً إلزام شخص ما بالتأنّي والتبصّر قبل التضامن مع هذه القضية على "الفيس" أو الضغط بـ "لايك" على تلك.
وربما يكون هذا من آفات عالم السرعة في تبادل المعلومات في وقت تختلط فيه المفاهيم وتضيع المعايير الصحيحة، فكل شخص بإمكانه أن يضع علامة الصحّ أو الخطأ على ما يراه في مواقع التواصل الاجتماعي، وأيّ تأخير في الرد يوسم صاحبه بالتخلف عن الركب.
وإذا كانت لهذه المعضلة آثار محدودة فيما مضى من الزمن، كأن يكون على شخص أو أكثر في المحيط العائلي أو المهني، وتكون الإسقاطات السلبية على مساحة صغيرة، فان اليوم نشهد الإسقاطات على مساحات وأبعاد واسعة، لنأخذ العلاقة بين المواطن والحكومة، أو بين المجتمع والدولة في نطاق أوسع، فان اتخاذ الأحكام إزاء هذا المسؤول أو ذاك، أو إزاء هذا الحراك الجماهيري أو ذاك، من شأنه أن يكون حجرة صغيرة ضمن بناء رأي عام صانع للأحداث، أو وسيلة لتغيير القناعات، وبما أن التسرّع، في أغلب حالاته لا يهدي إلى سواء السبيل، فالنتيجة تكون مزيداً من تكريس التشاؤم وتعميق الإحباط والهزيمة النفسية، واليأس من التغيير الحقيقي.
علماء الأخلاق يذكرون مساوئ عديدة لهذا السلوك، أبرزها؛ ما نلاحظه في واقعنا الحاضر، وهو إصابة الفرد والمجتمع بحالة من التذبذب في الرأي والموقف، لأن الذي يصدر حكماً خاطئاً يكون مجبراً على الانسحاب مع حفظ ماء الوجه، وهذا ليس بالضرورة أن ينجح دائماً، فالذي يتضامن مع دعوات التحلّل من الالتزامات والقيود تحت شعار "الحرية"، نجده ينسحب فوراً من ساحة "الفيس" أو أمثالها، عندما تظهر على صعيد المجتمع مظاهر شاذة كأن تكون خادشة للحياء – مثلاً- أو مناقضة للذوق العام أو للآداب وغير ذلك. وهكذا الأمر ينسحب على الشأن السياسي واللهاث وراء هذا الأسلوب في الاحتجاج والتظاهر، ثم الانقلاب عليه والتبرّؤ منه، أو إتباع أسلوب معيّن لمخاطبة المسؤول المخطئ والفاسد، ثم التخلّي عنه دون توضيحات ومبررات مقبولة.
وهذا لم يكن ليستفحل في النفوس ويظهر على السلوك، لولا أن البعض يستشعر في نفسه الكفاءة العالية في التشخيص والدقة في الرؤية، فيظن أن الأحرى به استباق الأحداث والآخرين والوقوف في الصفوف الأولى لتحقيق مكسب معنوي أو مادي؛ لا فرق.
ولعلنا نصطدم بمعضلة نفسية أخرى في الطريق، وهي ما يصفه علماء الأخلاق بـ "الجهل المركب"، بأن يعد الإنسان الجاهل نفسه عالماً، ويجهل أنه جاهل! وهنا مكمن الخطورة، إذ ليس من السهل تغيير هذه القناعة، فضلاً عن التحذير من مساوئ ومخاطر إصدار الأحكام المسبقة.
وإذن؛ قدمٌ أولى على المشاعر الخاطئة ووهم العلم بكل شيء، والثانية أمام حقائق الأمور والصورة كما هي، فيكون عندئذ مخيّراً بين أن يتخذ قراره بالتسرّع في الأحكام المؤدية إلى خسارة الأصدقاء أو الأقارب أو السمعة والمصداقية، وبين أن يلتزم الصبر وطول أناة ليتجنب كوارث ربما لا تخطر على باله.
في تاريخنا الإسلامي يروي لنا الصحابي؛ أسامة بن زيد أنه (بعثنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي، صلى الله عليه وآله، فقال: أقال: لا إله إلا الله وقتلته، قال قلت: يا رسول الله؛ إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال صلى الله عليه وآله: أفلا شققّت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا... فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ). بمعنى أن أسامة الذي كان يعتمد عليه النبي الأكرم، كثيراً في تحركاته العسكرية، تمنى الموت على سماع هذا التأنيب من النبي الأكرم.
في ذلك الوقت كان التسرّع في الأحكام يودي بحياة إنسان واحد، أو بسمعة جماعة في منطقة محدودة، أما اليوم فان النتيجة ربما تكون أشدّ كارثية على الإنسان نفسه وعلى المحيطين به، بحيث يصعب التعويض أو الانسحاب.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الجهل المركب والحكم المسبق على الآخرين - محمد علي جواد تقي Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.