أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

الكتاب - كريم حسين عاشور



ارتبط إسم الكتب بمعانٍ عديدة وتسميات كثيرة، منها ما يوحي بالمكان وأخرى تتعلّق بالزمان، وثالثة بالمكان والزمان معاً. والكتاب أشهر من أن يُعرّف وأوضح من أن يستوضح، ولكن من الأسماء الكانية التي تُشكّل مع التاب وحدة دلالية أو ظرفاً احتوائياً يُعبّر عن المجاورة ولارتباط، هو إسم (الرّفّ)، هذا الصامت المُقيم على الجدار، والذي يتعامل مع الأيدي وهي تلتقط الكتب منه، أو تضعها فيه، ببرودة أعصاب وحيادية تامّة وبوقار المُجرّب الحكيم، الذي يُدرك تماماً بأن ما يؤخذ منه سوف يُردّ إليه.
المشهد ذاته دائماً، كتاب ينزل وآخر يصعد، لا جديد سوى بصمات الأصابع المختلفة التي تتعاقب على أغلفة الكتب، هنالك ما يوحي بالاحتضان والصحبة، وهنالك ما يوحي بالآلية والرتابة.
وأكثر ما يُشوّه المشهد هو الإنحسار، إنحسار الأيدي عن تناول الكتب، وبالتالي إنحسار المعرفة عن الأذهان، ومن ثمّ تبلّدها، وتلبّدها بغيوم الجهل واللا معرفة. وهذا بالنتيجة سوف يصبغ المشهد بتشويهٍ آخر، وهو زحف التراب على الكتاب و(الرّفّ) معاً بنسيج عنكبوتي مُغبر.
التراب الذي يوحي فيما يوحي بالحياة والخلق، ولكنه هنا لا يوحي إلا بالموت، ويذكّر دائماً بالقبور، وليس من الغريب أن يتجلّى ها المعنى مرّتين، مرّة حين تلتقط الكتاب أياد تحمله على ظهور أصحابها، وليس في عقولهم كـــ(مثل الحمار يحمل أسفاراً)، فهذه مقبرة تمشي على قدمين، ومرّة حين تنام الكتب على رفوفها ملتحفة بالتراب تنتظر النشور.
هنالك من يقول أن الحياة كتاب كبير، ولو اتفقنا على أن المقصود بالحياة هنا، هي تلك التي على الأرض دون السماء، فلنا أن نتصوّر أن الكرة الأرضية (رفّ) كبير يحمل أكبر كتاب في الكون. لكن الفاجعة الكبرى، أن تتحوّل الأرض برمّـها إلى قبرٍ يُغطّيه التراب!

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الكتاب - كريم حسين عاشور Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.