أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

قيم الأخلاق: عاشوراء والخدمة الطوعية - علي حسين عبيد




في عاشوراء التي نعيش ذكراها هذه الأيام، تصبح مدينة كربلاء المقدسة قبلة لملايين الزوار المسلمين القادمين من دول وبقاع العالم كافة، لكي تحيي هذه الملايين الطقوس والشعائر الحسينية المقدسة، ترسيخا للقيم والمبادئ التي حملتها ثورة الإمام الحسين (ع)، حيث أعلن عليه السلام رفض المنهج التسلطي ليزيد الذي سعى لحرف الإسلام عن الخط القويم الذي جاء به رسول المسلمين محمد بن عبد الله (ص).
ففي مثل هذه الأيام يستذكر عموم المسلمين ومن بينهم الشيعة هذا المصاب الجلل، ويستعيدون الوقائع والأحداث بأدق تفاصيلها، ويتفحصون المواقف التي يتأجج أوارها بين الخير والشر، لنصل إلى النتائج المستخلصة من هذا الصراع الأزلي، وهي في مجملها نتائج تضع قيم الحق في المكانة التي تستحقها، حيث يعلو الحق ولا يُعلى عليه.
هذه الملايين التي تتكدّس في بقعة صغيرة هي مدينة كربلاء المقدسة، تحتاج إلى خدمات مختلفة على مدار الساعة، وهي تستحق أن يقدم أهالي المدينة والعراق كله كل ما يحتاجه الزوار من مأكل ومشرب ومنام ومعالجات طبية وغسيل وما شابه، فالذي يقطع آلاف الكيلومترات من مختلف بقاع العالم لكي يؤدّي مراسيم الزيارة لمرقد أبي عبد الله الحسين (ع)، يستحق أن يقدّم له الجميع كل الخدمات التي تراعي أمور الراحة الجسدية والنفسية للزائر.
والحقيقة أن أهل العراق، وأهالي كربلاء المقدّسة، يفخرون دائماً بأنهم أهل لمثل هذا الدور في خدمة الزائرين الكرام، لاسيما أنهم تربوا في حياض قيم الكرم والسخاء ومد يد العون لكل من يحتاجها، لهذا نلاحظ هبة خدمية جماعية داخل المدينة المقدّسة وفي كل المدن الأخرى، حيث يسعى الجميع بكل جدية في تقديم الخدمات المختلفة التي يحتاجها الزوار وهم في طريقهم إلى كربلاء المقدسة أو في داخلها.
ومن أهم ما تتميّز به هذه الخدمات المختلفة والمتنوّعة التي تُقدّم لـ"الزوّار"، أنه طوعية جماعية بلا مقابل، أي أن الزائر الكريم، يأكل ويشرب وينام ويتداوى في حالة إصابته لوعكةٍ ما، كل هذا يتم على نحو مجاني تتكفّل بدفعه الناس التي تتبرّع من أموالها الخاصة لكي تفي بهذه الخدمات، ليس هذا فحسب، وإنما يتم تقديم هذه الخدمات بجهود مضنية بلا مقابل، وهذا بحدِّ ذاته يشكّل خطوة كبيرة نحو نشر ثقافة الخدمة المدنية التطوعية وجعلها قيمة ذات طابع جمعي وطوعي حيث يتربى عليها جميع الفئات العمرية لاسيما صغار السن فتنمو معهم هذه القيمة العظيمة.
خطوات نشر الخدمة الطوعية
في عاشوراء تتحوّل مدينة كربلاء المقدسة إلى خليّة نحل، تقدّم الخدمات كافة بصورة طوعية، يتم ذلك في عمل منسّق ومنتظم يسوده التعاون والدقّة، ولاحظنا استفادة هؤلاء الذين يخدمون "الزوّار" من الأخطاء السابقة، فمثلاً كانت المواكب في السابق تترك مخلّفاتها في شوارع المدينة، ما يشكّل عبئاً على دوائر البلدية عند التنظيف، لكن تنبّه القائمون على خدمة "الزوّار" الطوعية إلى هذا الخلل وبادروا إلى جمع المخلّفات على مدار الساعة، وهي خطوة جيدة تدل على شعورٍ عالٍ بالمسؤولية وارتقاء في الذوق.
كذلك عندما يلاحظ الصغار اندفاع الكبار في تقديم الخدمات المختلفة بشكل طوعي، فإنهم سوف يتعلّمون من آبائهم هذا السلوك المتحضّر، فليس كل شيء يجب أن يكون مقابله ثمن، هناك نوع من التعاون الإنساني ينبغي أن يسود بين الناس بلا مقابل، لقد شجع الأنبياء والدعاة الصالحون إلى أهمية أن يكون الإنسان خادما للآخرين من دون مقابل، وشجعوا على انتشار هذا السلوك المتحضر بين بني البشر.
ما يحدث في عاشوراء هو نوع من هذا القبيل، حيث تَهبُّ الجموع لاستقبال "الزوّار" وتقدّم لهم كل ما يحتاجونه، والأمر المهم في هذا الجانب، أن الخدمة طوعية، أي يقوم الناس بهذه الخدمة من دون ضغط أو إجبار، والأمر الثاني أنها خدمة مجانية تبتغي مرضاة الله بالدرجة الأولى، لذلك تعد الخدمة التطوّعية من هذا القبيل من أنبل القيم التي ينبغي أن يعتادها الإنسان طفلا ثم شابا ثم كهلا، حتى تبقى هذه القيمة معه الى آخر لحظة من حياته.
وعندما يتم بناء الفرد وفق هذا المنهج الذي يتمحور حول قيمة مهمة هي (نكران الذات) والتضحية من اجل الآخرين، فإن منظومة القيم النبيلة سوف ترسخ في شخصية الإنسان وتنمو معه، وتساعد على نماء القيم النبيلة الأخرى، لنصل بالنتيجة إلى درجة من الارتقاء الفردي والمجتمعي، يصنع إنساناً ومجتمعاً يحمل في طيّاته أرقى القيم وأعظمها، وهذا هو الهدف الأهم من لسعي الدائم لنشر القيم الجيدة، ومنها وربّما أهمّها قيمة الخدمة الطوعية التي تشذب منظومة الأخلاق وتجعلها أرقى وأكثر قدرة على بناء المجتمع المدني المتحضّر.

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: قيم الأخلاق: عاشوراء والخدمة الطوعية - علي حسين عبيد Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.