أخر الأخبار

السبت، 15 أبريل، 2017

شهيد -انتصار السراي

 
شعرت بضيقٍ شديدٍ يلفُّ صدرها، وهي تسمع همهمة ولدها أنس مع صديقه أحمد، عزمه الرحيل إلى ساتر البطولة والفداء لمقارعة شذّاذ الآفاق، طرقتها الذاكرة لماضٍ ترك سياطه على روحها وقضَّ مضجع أيامها وهي تتلوى الجوع مع أيتامها (أنس وشقيقته) عندما أمر الموت أن يلفَّ بالعلم العراقي زوجها مثل كل الراحلين إلى مجهول الحياة في الحرب الصدامية/ الإيرانية.
مسحت صورة خيالها بما يضمه القدر لولدها، أن سار إلى حربٍ لا يعرف لها تأريخ انتهاء ولو أن الأمر يختلف هذه المرّة حيث أنه واجب العقيدة. أستغفر الله ، أستغفر الله، ردّدت الأم الاستغفار وهي تطرد شبح الموت أو العوق، أو الأسر، أو أن يكون ولدها في عِداد المفقودين من خيالها الخصب خوفاً من ما يحتم عليه مصير فلذة كبدها.
خرج "أنس" من غرفة الضيوف، مودّعاً أحمد، أحسَّ وهو  يستدار بوجهه ومنكبيه بقرب أمّه، وحدث نفسه أنها ربما سمعت ما دار بينه وبين أحمد من كلام. أطرق رأسه ومر منها بصمت.
أنس، نادته أمّه، هل هو مزاح ما سمعته قبل قليل، حديثك مع أحمد؟!
صمت، متلعثماً كيف يكون الجواب؟ أنها بلا شك الوالدة.. وهو أكثر من غيره يعلم بشقائها حتى أوصلته مع شقيقته إلى  هذا المستوى من التربية والتعليم، فلم يأتِ كل ذلك من دون ثمن، فلقد تقوّس ظهرها، من متاعب العمل في السوق، و"بسطتها" المتواضعة لتوفّر لهم العيش الرغيد، وتهمل نفسها وصحتها.
نعم، أمي حان الوقت لرد الجميل لك..
الوالدة: وهل رد الجميل، أن تترك أمّك وأختك؟ ثم من قال لك بأني أنتظر منك مقابلاً، وحتى اليوم لم أمنحك وأختك كل ما أتمنى؟
أمي، هتكوا الأعراض، واستحلوا الحرمات، وأساءوا للماضي، والمستقبل مشوّش بوحشيتهم، والحاضر لا أمان به. لقد ربيتني على طاعة الله جل وعلا، ومحبّة آل البيت النجباء (صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين)، علمتني على حسن الخلق، وحسن  الجوار، وأداء الأمانة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كيف السكوت وأنا أرى مع أخوتي في العقيدة والوطن إن أولئك الأنجاس قد هدموا كل شيء جميل وتهاوى أمام عيوننا. أريد أن أهديك  شهيداً تفخرين به وترفعين رأسك بين النساء، وشهادتي هي رد الجميل، حيث أضعها تاجاً على رأسك.
لكن أنس نادته أمه التي انهارت، بين ذراعيه وهي تمسك بهما وكأنها طائر يحمي عشّ صغاره من الأعداء، غيرك كثير ممن تطوّعوا ولهم أخوة وأخوات كثر.
أنس: أمي الحرب لم تبقِ على شيء، ستستمر إن وضعنا رؤوسنا في الرمال، مثل النعام.
والدتي العزيزة، حربنا اليوم، ليست أيام القادسية ودكتاتورها الطاغية، وليست حرب بين جارتين مسلمتين، لا نستطيع أن نولّي وجهونا ونقول مالنا وهذه الحرب لأن صدام من أشعل أوراها؟ بل هي حرب دفاعاً عن الوطن والناس والعقيدة والسيادة والقيم الإسلامية...
صاحت الأم بصوتٍ عال، فزعت لسماعه أبنتها، وجاءت مستفسرة، ما حلّ بك أمي؟ وسألت أنس، لما تضجرها لا تستحق منك أن تهمل دموعها؟!
ترك أنس أمه بلوعتها، ودلف إلى غرفته، وقد أوصد الباب بأحكام، فيما راحت أخته تهدأ من روع أمها، قائلة لها: أمي أنه مجرّد كلام بين صديقين لا أكثر..
مساءً جلس أنس مع أمّه وأخته على مائدة طعام العشاء وكانت شاشة التلفاز تنقل مشاهد من معارك طاحنة يخوضها أبطال الحشد الشعبي مع الدواعش، انشغلت الأسرة عن طعامها بالمشاهدة تارة، وبالحديث عن ما يشاهدوه تارة أخرى يفصل بينهما الدعاء بالنصر المؤزّر لأبطالنا البواسل من الجيش العراقي والحشد الشعبي.
التفت أنس لوالدته بوجه بشوش، يشعُّ حماسة، قائلاً لها: أمي إن كانت كل أم تمنع ولدها عن الذهاب، وتقول له: دع غيرك يفعل ذلك، تأكّدي بأنه سيحصل لأختي وصديقتها وبنات أرحامنا وبنات الجيران وغيرهن، كما حصل مع بنات الموصل من سبي وانتهاك للعرض، وبيع بثمنٍ بخس في سوق النخاسة، كما أن هذه الجدران التي تضمنا بدفء ستهدم فوق رؤوسنا، أو قد يسعفنا الحظ على أقل تقدير ونخرج منها في ليلة ظلماء هرباً من فتاواهم التكفيرية.
تركت أمه المائدة، فتبعتها نظرات أنس وشقيقته حتى توارت عن أنظارهم.
الأخت تخاطب أنس: ما بالك تهزُّ قلبها، وهي مثل أي أم تخاف أن يمسَّ ولدها أي مكروه، فكيف بك وأنت تريد الالتحاق إلى حربٍ مستعرة، لا ينضب وقودها من دماء شبابنا؟
أجاب أنس أخته: هل تتكلّمين عن وعي وإدراك بما يحصل، وهل أنا لك أفضل من مولاي علي الأكبر (عليه السلام) أو "جون"، أو "وهب" وغيرهم ممن أرتضى لنفسه الشهادة بين يدي أبى عبد الله الحسين (عليه السلام) فاز بها وخلد مع الحسين؟ أم أكون لأمّي مثل القاسم نجل الحسن المجتبى (عليهما السلام) أو مثل عبد الله الرضيع؟ ثم هل ما تقولينه، يرضى الله ورسوله (صل الله عليه وآله وسلم)؟
أختي الحبيبة: لا تنجرفي خلف عاطفتك، فإن عدت حيّاً من ساحة الحرب متجمّلاً بالنصر الذي أنشده أنا وبقية الأخوة المجاهدين، فشكراً لله الذي يمنّ عليَّ بذلك، وإن استشهدت وهو غاية ما أتمناه على يد الدواعش الكفرة، فذلك رزق الله لي، فهل أرفض نعمة الله تعالى علي؟
أشرقت الشمس معلنةً عن نهارٍ جديد، سمعت الأسرة صوت صراخ وعويل، وركض الجيران، أنطلق أنس مسرعاً نحو الصوت وخلفه أمّه تريد معرفة ما يجري، شاهدت ولدها من خلف الباب وهو يضرب وجهه بكفّه، ارتدت عباءتها وسارت نحوه تسأله عن المصاب الذي حلّ، فقال لأمّه صارخاً، أحمد ، أحمد..
الأم: أحمد ، ماذا جرى له؟
أنس: استشهد أحمد، رحل رفيق دربي ، تركني وآثر الفوز بالجنان، مصحوباً بالشهادة.
صعقت الأم للخبر، قائلة: أحمد ذلك الشاب المهذّب فهو يشبه إلى حد كبير ولدها أنس في سلوكه الجميل، سار إلى الموت بعزم.
ذهبت الأم تكمل مسيرها إلى حيث منزل الشهيد أحمد لتواسي أمّه بالمصاب، حتى وصول الجنازة، وما بين البكاء والعويل لفقد أحمد، نادت والدة الشهيد  أم أنس طالبه منها أن تجلب (جكليت) لتنثروه على جنازة ولدها كما أوصاها أن "تهلل" وهو يشيع إلى حياته السرمدية في الجنان.
مرّت أيام وأنس يرتدى الحزن وشاحاً لفراق صديقه المقرّب، يناجي الله أن يلتحق به قريباً. طرقت والدته باب غرفته عليه، نظر أنس إلى أمّه قائلاً: يعزُّ عليَّ يا أمي عصيانك، لكن لم تهنئ لي حياة أو يغمض لي جفن إن لم أخذ بثأر أحمد وكل صحبتنا المجاهدين، جذب يدها، وقَبَّلها بحميميّة، أمي، أطلب منك أن تجهّزي لي بدلتي لأذهب مع المحبّين، كي لا يبقى مكان أحمد شاغراً في سوح الوغى، ويجد العدو ثغرة لينفذ منها إلى حصننا المقدّس.
الأم أطرقت برأسها، استحضرت تشييع أحمد المهيب وفخر أهله به، والجيران، وهم يتمنون أن ينالوا هذا الشرف العظيم مثله.
رفعت رأسها قائلة: أنس أذهب للسوق وأشتري لنا تمراً كي أعد (الكليجة) مع شقيقتك لك وللمجاهدين.
فصاح فرحاً: يالله، يالله
**
ملاحظة: القصة من نسج خيال الكاتبة وليست حقيقية

  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: شهيد -انتصار السراي Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.